إنفاق أعز المال لنيل البر
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص106-109
2026-06-07
33
بين تعالى جوهر العمل الصالح فابتدأ سبحانه الحديث حول الخدمات المالية فقال: )وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) ولا شك أن بذل المال في سبيل الله يُمثل أساس تثبيت هوية الإنفاق بحد ذاتها: (وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ[1]). فلو كان باستطاعة الشجرة مثلاً أن تتحرك مــن مكان إلى آخر فتقترب بذلك من مصدر المياه لتسقي منه جذورها، فإن ذلك الجهد يُعدّ بحق خطوة قامت بها تلك الشجرة نحو تثبيت جذورها وتحسين نوعية ثمارها.
والمراد بقوله تعالى: (عَلَىٰ حُبِّهِ) ليس ترغيباً لحب المال لعدم حاجة الإنسان إلى ما يدفعه إلى فعل ذلك فهذا الأمر موجود في طبيعته وفطرته، وقد خلق الله تعالى فيه غريزة حُبّ المال لاستحالة العيش في هذه الدنيا مع غياب الأموال. إذاً فحب المال طبع موجود داخل كل إنسان تقريباً، بل وُصِفَ حُبّ بعضهم لـه بالحب الحم كما في قوله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا[2]): رغم أنه كان من الممكن أن يكون ذلك الحبّ قليلاً أو مُعتدلاً على أية حال، وكما هو معلوم فإنّ الإنسان لا يستطيع العيش والاستمرار في الحياة دون وجود المال، وهو ما أقره الله تعالى فيه، ولكن جمع المال وتكديسه والإفراط في حبّه قد يؤدّي كذلك إلى عواقب غير محمودة، ولكيلا يقع الإنسان في شباك هذا الحب المفرط وحباتله، أمر القرآن الكريم الإنسان بتجنّب المغالاة في حُبّه للمال والعمل على السيطرة عليه[3]. ويحاول القرآن الكريم بيان خطر الإفراط في حُبّ المال من خلال تذكيره الإنسان بأن حب المال بإفراط إنّما هو كالعدوّ الذي يجثم في أعماق روح الإنسان ويبقى صاحياً ومُستعداً لفعل أي شيء. والحقيقة أن الله عزّ وجل هو الذي أقــر طبيعة البخل وغريزة حُبّ المال جنباً إلى جنب مع النفس الإنسانية: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ[4])
وعلى هذا، يكون معنى قوله تعالى: (وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ) هو أنه رغم حُبِّ الأبرار للمال بطبيعتهم والدفاع عن ذلك بقوّة، إلا أنهم لا يتوانون في إنفاقه وبذله في سبيل الله سعياً منهم للتخلّص من شر تلك المحبة، ولذلك نجد أن هناك تناسباً كبيراً بين هذا المعنى وبين قوله تعالى في الآية الشريفة: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ[5]) إذاً فأصل إنفاق المال بشكل عام ليس البر سواء أكان المال محبوباً أم لا، ليكون بإمكان مَن يُنفق لباساً خرقاً مثلاً الوصول إلى درجة الأبرار، بل بذل المال المحبوب والعزيز لدى صاحبه هو الذي يوصله إلى الدرجة المذكورة، ومن أنفق من أحبّ ماله وأعزّه في سبيل الله تعالى فقد حرر نفسه من عبودية حُبّ المال واتخذ طريقه إلى ملتقى الأبرار[6].
ولتيل مقام الأبرار لا بدّ للمُنفق أن يبذل من أحبّ أمواله مع حبه لــه، فقد يكون المال أحياناً غير محبوب لدى صاحبه لكونه قديماً أو بالياً أو غير ذلك، وفي أحيان أخرى يكون المال محبوباً في حدّ ذاته ووفيراً كذلك لكن لم تعد لدى مالكه أية رغبه فيه ولم يعد حُبّه للمال، كما كان في شبابه لعوامل وأسباب طبيعية كالكبر في السن والشيخوخة أو أنه مقطوع عنه ولم تعد له رغبة فيه، وفي هذه الحالة لا يمكن لهذا الشخص الوصول إلى مقام الأبرار بهذا الشكل من الإنفاق؛ لأنّ إشباع الجائع وما شابه هومسألة عاطفية ومثل هذه الافعال موجودة أيضا في المجتمعات غير الاسلامية. ولما كان الدين الاسلامي دين العقل لا العاطفة فإن مراده من أمر المساعدة والاعانة لا يقتصر على إشباع الجياع فهذا جانب واحد من الاهداف التي ينشدها الانفاق وليس الهدف كله أما الهدف الرئيسي من مثل هذه الأوامر فهو تهذيب النفوس ومحاربة الشح فيها ومعالجته والقضاء عليه فقبل أن تصل خدمة المنفق الى الجائع فإنه في الواقع يخدم نفسه ويحسن اليها بعمله هذا لانه يقوم باستئصال الشح من داخله نفسه فمن أراد الوصول الى منزلة لايرى فيها محبوبا عنده ولا عزيزا لديه غير الله تعالى لابد من أن يكون هدفه أبعد من مجرد إشباع جائع أو إكساء عريان وما ذلك الهدف سوى أن يجعل قلبه متيما بحب الله سبحانه وطرد كل محبة غيره منه حتى لا يسع ظرف قلبه سوى حب الله وحده.
[3] ومما قاله أمير المؤمنين علي عليه السلام في المال في نهج البلاغة من كلام له عليه السلام في أصناف الناس وفضيلة العلم وجملة وصايا قالها لكميل بن زياد: لا يا كميل بنُ زِيَادِ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المالِ العِلمُ يجْرُسُكَ وَأَنتَ تَخْرُسُ المال، والمال تنقصُهُ النَّفَقَهُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى الإِنْفَاقِ، وَصَيعُ المَالِ يَزُولُ بر واليه. ومن كلام له عليه السلام الا وقد سمع رجلاً يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفتنة: وَبَعْضُهُم تحب تسمير المال، وَيَكْرَهُ انْثَلامَ المحال.
[6] قال المشهدي في تفسير كنز الدقائق: 156/3: عن مفضل بن عمر قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ومعي شيء فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟ فقلت هذه صلة مواليك وعبيدك، قال: فقال لي: «يا مفضل! إني لا أقبل ذلك وما أقبله من حاجة بي إليه وما أقبله إلا لتركـوا بـه. ثم قال: سمعت أبي يقول: مَن مَضَت له سنة لم يصلنا من ماله قل أو كنر، لم ينظر الله إليه يوم القيامة إلا أن يعفو الله عنه». ثُمّ قال: «يا مفضل، إنها فريضة فرضها الله على شيعتنا في كتابه إذ يقول: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران: 92] فنحن البر والتقوى وسبيل الهدى وباب التقوى، وَلا تُحجب دعاؤنا عن الله ، اقتصروا على حَلالِكم وحرايكم، فاسْأَلُوا عنه، وإياكم أن تسألُوا أَحَداً من الفقهاء عما لا يعنيكم، وَعَما سَيْرَ الله عنكم .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة