[الجواب] - إنّ تفسير كونه سبحانه متكلما لا ينحصر في الآراء الثلاثة المنقولة عن الأشاعرة والعدلية (المعتزلة والإمامية) والحنابلة، بل هناك رأي رابع أيّدته البراهين الفلسفية وأوضحته النصوص القرآنية وورد في أحاديث أئمة أهل البيت، وحاصله: إنّ العالم بجواهره وأعراضه، فعله وفي الوقت نفسه كلامه، وسوف يوافيك توضيح هذه النظرية.
- إن الطريق إلى ثبوت هذه الصفة عند الأشاعرة هو العقل وعند العدلية هو السمع، وسوف يوافيك دليل الأشاعرة عند البحث عن نظريتهم. وأمّا النقل فقد تضافرت الآيات على توصيفه به، قال تعالى: (مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ) (1). وقال تعالى: (وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً) (2). وقال سبحانه: (وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (3). وقال تعالى: (وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (4) وقد بيّن تعالى أن تكليمه الأنبياء لا يعدو عن الأقسام التالية:
1 ـ «إلّا وحيا».
2 ـ «أو من وراء حجاب».
3 ـ «أو يرسل رسولا».
فقد أشار بقوله : (إِلَّا وَحْياً) إلى الكلام الملقى في روع الأنبياء بسرعة وخفاء.
كما أشار بقوله : (أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) إلى الكلام المسموع لموسى (عليه السلام) في البقعة المباركة. قال تعالى : (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ ، مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) (5).
وأشار بقوله : (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً) إلى الإلقاء الذي يتوسط فيه ملك الوحي ، قال سبحانه : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ) (6) ففي الحقيقة الموحي في الأقسام الثلاثة هو الله سبحانه تارة بلا واسطة بالإلقاء في الرّوع ، أو بالتكلم من وراء حجاب بحيث يسمع الصوت ولا يرى المتكلم ، وأخرى بواسطة الرسول. فهذه الأقسام الثلاثة هي الواردة في الآية المباركة.
_______________
(1) سورة البقرة : الآية 253.
(2) سورة النساء : الآية 164.
(3) سورة الأعراف : الآية 143.
(4) سورة الشورى : الآية 51.
(5) سورة القصص : الآية 30.
(6) سورة الشعراء : الآيتان 193و194.