قال الخطيب البغدادي : " روى أصحابنا : أنه دخل مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فسجد سجدةً في أول الليل ، وسمع وهو يقول في سجوده : عظم الذنب عندي فليحسن العفو عندك ، يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة ، فجعل يردّدها حتى أصبح "[1].
وروى بإسناده عن عمّار بن أبان ، قال : " حبس أبو الحسن موسى بن جعفر عند السندي ، فسألته أخته أن تتولّى حبسه - وكانت تتديّن - ففعل ، فكانت تلي خدمته فحكي لنا أنها قالت : كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجده ودعاه ، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل ، فإذا زال الليل قام يصلي حتى يصلي الصبح ، ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس ، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى ثم يتهيّأ ويستاك ويأكل ، ثم يرقد إلى قبل الزوال ، ثم يتوضأ ويصلي حتى يصلي العصر ، ثم يذكر في القبلة حتى يصلي المغرب ، ثم يصلي ما بين المغرب والعتمة ، فكان هذا دأبه ، فكانت أخت السندي إذا نظرت اليه قالت : خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل ، وكان عبداً صالحاً "[2].
روى ابن شهرآشوب : " كانت لموسى بن جعفر بضع عشرة سنة كل يوم سجدة بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال ، وكان عليه السّلام أحسن النّاس صوتاً بالقرآن ، فكان إذا قرأ يحزن ويبكي السامعون لتلاوته ، وكان يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع .
روى أحمد بن عبد الله عن أبيه قال : " دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالسٌ على سطح فقال لي : أشرف على هذا البيت وانظر ما ترى ؟ فقلت : ثوباً مطروحاً فقال : أنظر حسناً ، فتأملت فقلت : رجل ساجد ، فقال لي : تعرفه ، هو موسى بن جعفر أتفقّده الليل والنهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلاّ على هذه الحالة . انه يصلي الفجر فيعقب إلى أن تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس ، وقد وكل من يترصد أوقات الصلاة فإذا أخبره وثب يصلي من غير تجديد وضوء وهو دأبه فإذا صلى العتمة افطر ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ، فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر .
وقال بعض عيونه : كنت أسمعه كثيراً يقول في دعائه : اللهم إني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهم وقد فعلت فلك الحمد .
وكان عليه السّلام يقول في سجوده : قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك .
ومن دعائه : اللهم إني أسألك الرّاحة عند الموت والعفو عند الحساب "[3].
روى إبراهيم بن عبد الحميد قال : " دخلت على أبي الحسن الأول عليه السلام في بيته الذي كان يصلي فيه ، فإذا ليس في البيت شئ إلا حصفة وسيف معلق ومصحف "[4].
قال المفيد : " وروي أنه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس ويخرّ لله ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد حتى يقرب زوال الشمس ، وكان يدعو كثيراً فيقول : اللهم إني أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب ، ويكرر ذلك . وكان من دعائه عليه السّلام : عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك .
وكان يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع ، وكان أوصل الناس لأهله ورحمه ، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والأدقّة والتمور فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو "[5].
روى السيد ابن طاووس : " لمّا همّ هارون الرشيد بقتل موسى بن جعفر عليهما السلام دعا الفضل بن الربيع وقال له : قد وقعت لي إليك حاجة أسألك أن تقضيها ولك مائة ألف درهم قال : فخرّ الفضل عند ذلك ساجداً وقال : أمراً أم مسألة ؟ قال : بل مسألة ثم قال : أمرت بأن تحمل إلى دارك في هذه الساعة مائة ألف درهم وأسألك أن تصير إلى دار موسى بن جعفر وتأتيني برأسه .
قال الفضل : فذهبت إلى ذلك البيت فرأيت فيه موسى بن جعفر وهو قائم يصلي فجلست حتى قضى صلاته وأقبل إليّ وتبسم وقال : عرفت لماذا حضرت ، أمهلني حتى أصلي ركعتين . قال : فأمهلته فقام وتوضأ فأسبغ الوضوء وصلى ركعتين وأتم الصلاة بحسن ركوعها وسجودها وقرأ خلف صلاته بهذا الحرز فاندرس وساخ في مكانه فلا أدري أرض ابتلعته أم سماء اختطفته ، فذهبت إلى هارون وقصصت عليه القصّة ، قال : فبكى هارون الرشيد ثم قال : قد أجاره الله مني "[6].
وروى عن عبد الله بن مالك الخزاعي ، قال : " دعاني هارون الرشيد فقال : يا أبا عبد الله كيف أنت وموضع السر منك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ما أنا إلاّ عبدٌ من عبيدك فقال : امض إلى تلك الحجرة وخذ من فيها واحتفظ به إلى أن أسألك عنه فقال : دخلت فوجدت موسى بن جعفر فلما رآني سلمت عليه وحملته على دابتي إلى منزلي ، فأدخلته داري وجعلته مع حرمي وقفلت عليه والمفتاح معي ، وكنت أتولّى خدمته ، ومضت الأيام فلم أشعر إلاّ برسول الرشيد يقول : أجب أمير المؤمنين ، فنهضت ودخلت عليه وهو جالسٌ وعن يمينه فراش وعن يساره فراش ، فسلمت عليه فلم يردّ غير أنه قال : ما فعلت بالوديعة ؟ فكأني لم أفهم ما قال ، فقال : ما فعل صاحبك ؟ فقلت : صالح فقال : امض اليه وادفع اليه ثلاثة آلاف درهم واصرفه إلى منزله وأهله ، فقمت وهممت بالانصراف فقال : أتدري ما السبب في ذلك وما هو ؟ قلت : لا يا أمير المؤمنين ، فقال : نمت على الفراش الذي عن يميني فرأيت في منامي قائلا يقول لي : يا هارون ، أطلق موسى ابن جعفر ، فانتبهت فقلت لعلها لما في نفسي منه فقمت إلى هذا الفراش الآخر فرأيت ذلك الشخص بعينه وهو يقول : يا هارون أمرتك أن تطلق موسى بن جعفر فلم تفعل ، فانتبهت وتعوّذت من الشيطان ، ثم قمت إلى هذا الفراش الذي أنا عليه وإذا بذلك الشخص بعينه وبيده حربة كأن أولها بالمشرق وآخرها بالمغرب وقد أومأ إليّ وهو يقول : والله يا هارون ، لئن لم تطلق موسى بن جعفر لأضعن هذه الحربة في صدرك وأطلعها من ظهرك ، فأرسلت إليك فامض فيما أمرتك به ولا تظهره إلى أحد فأقتلك فانظر لنفسك ، قال : فرجعت إلى منزلي وفتحت الجرة ودخلت على موسى بن جعفر ، فوجدته قد نام في سجوده فجلست حتى استيقظ ورفع رأسه وقال : يا عبد الله افعل ما أمرت به ، فقلت له : يا مولاي سألتك بالله وبحق جدك رسول الله هل دعوت الله عز وجل في يومك هذا بالفرج ؟ فقال : أجل إني صليت المفروضة وسجدت وغفوت في سجودي فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : يا موسى أتحب أن تطلق ؟ فقلت : نعم يا رسول الله ، فقال : ادع بهذا الدعاء :
يا سابغ النعم ، يا دافع النقم ، يا بارئ النسم ، يا مجلي الهمم ، ويا مغشى الظلم ، يا كاشف الضر والألم ، يا ذا الجود والكرم ، ويا سامع كل صوت ، ويا مدرك كل فوت ، ويا محيي العظام وهي رميمٌ ومنشئها بعد الموت ، صل على محمّد وآل محمّد واجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً يا ذا الجلال والإكرام ، فلقد دعوت به ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يلقنّيه حتى سمعتك .
فقلت : قد استجاب الله منك ، ثم قلت له ما أمرني به الرشيد وأعطيته ذلك "[7].
[1] تاريخ بغداد ج 13 ص 27 .
[2] تاريخ بغداد ج 13 ص 31 .
[5] الارشاد ص 277 ورواه الطبرسي في إعلام الورى ص 306 .