قال تقي الدين الحموي : " اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص والوليد بن عقبة وعقبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا : يا أمير المؤمنين ، ابعث لنا الحسن بن علي ، فقال لهم : فيم ؟ فقالوا : كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان ، فقال لهم : إنّكم لا تنتصفون منه ولا تقولون شيئاً إلاّ كذبكم الناس ولا يقول لكم شيئاً ببلاغته إلاّ صدقه الناس ، فقالوا : أرسل اليه فإنا سنكفيك أمره . فأرسل اليه معاوية فلما حضر قال : يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك . فاسمع مقالتهم وأجب ولا تحرمنّي فقال الحسن عليه السّلام : فليتكلموا ونسمع .
فقام عمرو بن العاص ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله به ؟
ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : يا بني هاشم ، كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصهر كان ، يفضلكم ويقربكم ثم بغيتم عليه فقتلتموه ، ولقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا الله منه ، ولو قتلناه بعثمان ما كان علينا من الله ذنب .
ثم قام عقبة فقال : تعلم يا حسن أن أباك بغى على عثمان فقتله حسداً على الملك والدنيا فسلبها ، ولقد أردنا قتل أبيك حتى قتله الله تعالى ! .
ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كله سباً لعلي وتعظيماً لعثمان .
فقام الحسن عليه السّلام فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال : بك أبداً يا معاوية لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضاً وعداوةً وخلافاً لجدي ، ثم التفت إلى الناس وقال : أنشدكم الله أتعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى للقبلتين ، وأنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك بالله وكان معه لواء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يوم بدر ومع معاوية وأبيه لواء المشركين . ثم قال : أنشدكم الله والإسلام ، أتعلمون أن معاوية كان يكتب الرسائل لجدي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول وقال : هو يأكل ، فردّ الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك وهو يقول : هو يأكل ، فقال النبي : لا أشبع الله بطنه ، أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية ؟ ثم قال : وأنشدكم الله ، أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوقه ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : لعن الله الجمل وقائده وراكبه وسائقه ، هذا كله لك يا معاوية .
وأما أنت يا عمرو ، فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه ألأمهم حسباً وشرهم منصباً ، ثم قمت وسط قريش فقلت : إنّي شانئ محمّداً فأنزل الله على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ )[1] ثم هجوت محمّداً صلّى الله عليه وآله وسلّم بثلاثين بيتاً من الشعر ، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : اللهم إنّي لا أحسن الشعر ولكن العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة ، ثم إنّطلقت إلى النجاشي بما علمت وعملت ، فأكذبك الله وردّك خائباً ، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام ، فلم نلمك على بغضك .
وأما أنت يا ابن أبي معيط ، فكيف ألومك على سبك لعلي ، وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطاً ، وقتل أباك صبراً بأمر جدي ، وقتله جدي بأمر ربي ولما قدمه للقتل قال : من للصبية يا محمّد ؟ فقال : لهم النار ، فلم يكن لكم عند النبي إلاّ النار ولم يكن لكم عند علي غير السيف والسوط .
وأما أنت يا عتبة ، فكيف تعد أحدنا بالقتل ؟ لم لا قتلت الذي وجدته في فراشك مضاجعاً لزوجتك ثم أمسكتها بعد أن بغت ؟
وأما أنت يا أعور ثقيف ، ففي أي ثلاث تسب علياً ، أفي بعده من رسول الله أم في حكم جائر أم في رغبة في الدنيا ؟ فان قلت شيئاً من ذلك فقد كذبت وأكذبك الناس ، وإن زعمت أن علياً قتل عثمان فقد كذبت وأكذبك الناس ، وأما وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة فقالت لها : استمسكي فإني أريد أن أطير ، فقالت لها النخلة : ما علمت بوقوفك فكيف يشق علي طيرانك ، وأنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك ؟ ثم نفض ثيابه وقام .
فقال لهم معاوية : ألم أقل لكم أنكم لا تنتصفون منه ، فوالله لقد أظلم علي البيت حتى قام ، فليس فيكم بعد اليوم خيرٌ[2].
قال الخوارزمي : " وقيل : إنّ معاوية قدم المدينة وجلس للعطاء ، فكان يعطي ما بين خمسين ألف إلى مائة ألف فأبطأ عليه الحسن ، فلما كان آخر النهار دخل عليه فقال معاوية : أبطأت علينا يا أبا محمّد لعلك أردت أن تبخلنا ، ثم قال : أعطه يا غلام مثل ما أعطيت اليوم أجمع ، ثم قال : خذها يا أبا محمّد وأنا ابن هند ، فقال الحسن : لقد رددتها عليك وأنا ابن فاطمة "[3].
وروي : " أن الحسن بن علي عليهما السلام دخل على معاوية وهو مضطجع على سريره ، فسلّم عليه فقام إليه وصافحه ثم اضطجع ، فجلس الحسن عند رجليه فقال : يا أبا محمّد إلاّ تعجب من اُم المؤمنين عائشة تزعم أني لست أهلا للخلافة ، فقال الحسن : أو عجبت مما قالت ؟ قال : بلى كلّ العجب ، فقال الحسن : فأعجب من ذلك جلوسي عند رجليك وأنت مضطجع ، فاستحيى معاوية وقام وأقبل عليه ثم قال له : أقسمت عليك كم عليك من الدين ؟ قال له : مائة ألف ، فقال : يا غلام إحمل معه ثلاثمائة ألف ، فلما خرج قال له ابنه يزيد : يا أبة إنّه استقبلك بكل مكروه وأعطيته ما أعطيته فقال : يا بني إنّ الحق والله حقهم وأخذناه أفلا نردفهم - يا بني - على دابتهم التي ركبناها "[4].
قال ابن أبي الحديد : " لقي عمرو بن العاص الحسن في الطواف فقال : يا حسن ، زعمت أن الدين لا يقوم إلاّ بك وبأبيك ، فقد رأيت الله أقامه بمعاوية فجعله راسياً بعد ميله وبيناً بعد خفائه ، أفرضي الله بقتل عثمان ، أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحن عليك ثياب كغرتي البيض وأنت قاتل عثمان ، والله إنّه لألم للشعث وأسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك ، فقال الحسن عليه السّلام : إنّ لأهل النار لعلامات يعرفون بها الحاداً لأولياء الله وموالاة لأعداء الله ، والله إنّك لتعلم أن علياً لم يرتب في الدين ولم يشك في الله ساعة ولا طرفة عين قط ، وأيم الله لتنتهين يا ابن أم عمرو أو لأنفذن حضنيك بنوافذ أشد من القصبعية ، فإياك والتهجم علي ، فإني من قد عرفت ، لست بضعيف الغمزة ولا هش المشاشة ولا مري المأكلة ، وإني من قريش كواسطة القلادة ، يعرف حسبي ولا أدعى لغير أبي ، وأنت من تعلم - ويعلم الناس - تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك جزارها ألأمهم حسباً وأعظمهم لؤماً ، فإياك عني[5] فإنك رجس ونحن أهل بيت الطهارة أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيراً . فأفحم عمرو وأنصرف كئيباً "[6].
روى ابن أبي الحديد عن الشعبي قال : " قام الحسن بن علي إلى أبي بكر وهو يخطب على المنبر فقال له : إنّزل عن منبر أبي ، فقال أبو بكر : صدقت ، والله إنّه لمنبر أبيك لا منبر أبي ، فبعث علي إلى أبي بكر : إنّه غلام حدث وإنا لم نأمره ، فقال أبو بكر : صدقت إنا لم نتهمك "[7].
[2] ثمرات الأوراق في المحاضرات ، بهامش المستطرف في كل فن مستظرف ج 1 ص 55 ، رواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 2 ص 101 طبعة مصر ، والخوارزمي في مقتل الحسين ج 1 ص 114 ، وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص ص 200 وله تفسير غريب في هذه الواقعة ، وقال العلامة الشيخ باقر القرشي : " لقد كان الإمام في جميع تلك المناظرات هو الظافر المنتصر ، وخصومه الضعفاء قد عرتهم الاستكانة والهزيمة ، والذهول وقد أوصاهم كبيرهم ] معاوية [ بعد ما شاهد أشلاءهم مضرجة بطعناته أن يجتنبوا محاورته " ( حياة الإمام الحسن ج 2 ص 297 ) .
[3] مقتل الحسين ج 1 ص 132 .
[4] المصدر ص 122 ، وأورده ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 4 ص 4 طبعة مصر .
[5] قال سبط ابن الجوزي : " ذكر الكلبي في المثالب قال : كانت النابغة أم عمرو بن العاص من البغايا أصحاب الرايات بمكة فوقع عليها العاص بن وائل في عدة من قريش ، منهم أبو لهب ، وأمية بن خلف وهشام بن المغيرة ، وأبو سفيان بن حرب في طهر واحد . قال الكلبي : " وكان الزناة الذين اشتهروا بمكة جماعة منهم هؤلاء المذكورون وأمية بن عبد شمس وعبد الرحمان بن الحكم بن أبي العاص أخو مروان بن الحكم وعتبة بن أبي سفيان ، أخو معاوية وعقبة بن أبي معيط ، فلما حملت النابغة بعمر وتكلموا فيه فلما وضعته أختصم فيه الخمسة الذين ذكرناهم كل واحد يزعم أنه ولده وألب عليه العاص بن وائل وأبو سفيان بن حرب كل واحد يقول : والله إنّه مني فحكما النابغة فاختارت العاص ، فقالت : هو منه ، فقيل لها : ما حملك على هذا وأبو سفيان أشرف من العاص ؟ فقالت : هو كما قلتم إلاّ أنه رجلٌ شحيح والعاص جواد ينفق على بناتي وأبو سفيان لا ينفق عليهن وكان لا بنات " ( تذكرة الخواص ص 204 ) .
[6] شرح نهج البلاغة ج 4 ص 10 .
[7] شرح نهج البلاغة ج 2 ص 17 .