
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
جملة المقارنة (المرجع)
المؤلف:
البرت أينشتاين و ليويولد إنفلد
المصدر:
تطور الأفكار في الفيزياء
الجزء والصفحة:
ص114
2026-03-03
26
وبعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة من قصتنا يجب علينا أن نعود إلى نقطة البدء ، أي إلى قانون غاليله في العطالة . فنسوق قوله مرة أخرى .إن كل جسم يحافظ على حالة سكونه أو على حالة حركة منتظمة في خط مستقيم ما لم تجبره على تغيير هذه الحالة قوة تؤثر فيه. وعندما نفهم فكرة العطالة نعجب أنه يمكن إضافة شيء جديد بخصوصها. وبالرغم من أننا ناقشنا هذه المسألة في أعماقها فإن الموضوع لم ينته بعد.
لنتصور فيزيائياً مؤمناً بأن قانون العطالة يمكن أن يوضع على محك التجارب الواقعية فتقبله أو ترفضه. فيدفع كرة ملساء على أرض أفقية ملساء بحيث يحاول حذف أي احتكاك قدر الإمكان. فيلاحظ أنه كلما كانت الأرض والطاولة أملس فأملس كانت الحركة أنظم فأنظم. وفي الوقت الذي يتهيأ فيه ليلفظ مبدأ العطالة يتدخل إنسان ليمزح معه. الفيزيائي يعمل في غرفة ليس لها نوافذ وليس لها أي اتصال بالعالم الخارجي. يصنع الإنسان المازح آلة تمكنه من جعل الغرفة بكاملها تقوم بحركة دورانية حول محور شاقولي يمر بمركز الغرفة. بمجرد أن تأخذ الغرفة بالدوران يشاهد الفيزيائي أشياء جديدة غير متوقعة. ذلك أن الكرة، التي كانت تتحرك بانتظام، تحاول الابتعاد عن المركز وتقترب ما أمكنها من جدران الغرفة. ثم إنه هو نفسه يشعر بقوة غريبة تشده نحو الجدار. فهو يعاني الإحساس الذي يعانيه أي مسافر في قطار أو سيارة كانت تسير في خط مستقيم بسرعة ثابتة كبيرة ثم صادفت منعطفاً حاداً، أو الإحساس الذي يعانيه رجل في أرجوحة دوارة. سيرى الفيزيائي أن كل النتائج التي كان يلاحظها تذهب أدراج الرياح.
إن هذا الفيزيائي سيرى نفسه مضطراً لا لأن ينبذ مبدأ العطالة فحسب، بل وكل قوانين الميكانيك. لقد كان قانون العطالة نقطة انطلاقه؛ فإذا فسد هذا القانون فإن كل النتائج التي استخلصها منه تصبح باطلة؛ فالراصد الذي يقضي كل حياته في غرفة دوارة سيتوصل إلى قوانين ميكانيكية تختلف عن قوانيننا. لكنه لو دخل الغرفة مسلحاً بمعارف عميقة وبيقين راسخ في مبادئ الفيزياء فسيفسر الانهيار الظاهري لقوانين الميكانيك بافتراض أن الغرفة تدور ؛ وسيمكنه بواسطة تجارب جديدة أخرى أن يعرف كيف تدور.
لماذا يجب أن نعلق كل هذه الأهمية على الراصد الموجود في الغرفة الدوارة؟ إن السبب بسيط، وهو أننا، إلى حد ما، في الوضع ذاته على كرتنا الأرضية. فنحن نعلم، منذ كوبرنيق، أن الأرض تدور حول محورها وتدور حول الشمس. إن هذه الفكرة، ببساطتها ووضوحها لدى كل الناس، لم تخف على تقدم العلم. لندع هذا الموضوع، مؤقتاً، ولنقبل بوجهة نظر كوبرنيق. إذا كان راصدنا الدائر مع الغرفة لا يستطيع أن يؤكد قوانين الميكانيك فلابد أن نكون جميعاً، على سطح أرضنا، غير قادرين على ذلك . لكن دوران الأرض بطيء نسبياً، وهذا يجعل مفعول الدوران. ضعيف الأثر. لكنه يوجد تجارب عديدة يظهر فيها انحراف طفيف عن قوانين الميكانيك؛ لكن تفسير هذا الانحراف بواسطة هذه القوانين ذاتها يمكن أن يتخذ دليلاً على دوران الأرض.
لكننا وبكل أسف لا نستطيع أن نضع أنفسنا في مكان بين الأرض والشمس، كي نثبت الصحة الدقيقة لقانون العطالة ونرصد حركة الأرض. ولا يمكن أن نفعل هذا إلا بالفكر؛ لأننا مضطرون لإجراء تجاربنا على الأرض حيث نعيش. ويعبر الفيزيائيون عن واقع هذا الاضطرار بالنصر العلمي: إن الأرض هي جملة الإحداثيات عندنا.
ولإلقاء الضوء على معنى هذه الجملة نتخذ مثالاً بسيطاً. فنحن يمكن أن نتنبأ بالمكان الذي سيصل إليه، في لحظة معينة لاحقة، حجر ترك يسقط حراً من قمة البرج، وأن نتأكد من هذه النبوءة بالتجربة، فنضع مسطرة موازية لخط السقوط ونتنبأ بالرقم الذي سيكون الجسم بحذائه لحظة الرصد. ومن الواضح أن البرج والمسطرة ليسا مصنوعين من مادة يمكن أن يطرأ عليها أي تغيير أثناء التجربة. فكل ما يلزمنا، في هذه التجربة، وجود مسطرة متينة وميقاتية مثالية لا يمكن بدونهما التحقق من قانون غاليله في سقوط الأجسام. فبهاتين الأداتين الفيزيائيتين البسيطتين يمكن أن نؤكد هذا القانون بدرجة ما من الصحة. إن إجراء هذه التجربة بعناية قد دل على وجود خلاف بينها وبين النظرية ناجم عن دوران الأرض أي، بتعبير آخر، عن واقع أن قوانين الميكانيك، كما هي مصوغة هنا، ليست كاملة الصحة في جملة إحداثيات مربوطة ربطاً محكماً بالكرة الأرضية (سنقول اختصاراً: مربوطة بالأرض).
في كل التجارب الميكانيكية، مهما كان نوعها، يكون الهدف تعيين أوضاع نقاط مادية في لحظة زمنية معينة، كما هي الحال تماماً في تجربة الجسم الساقط من البرج. لكن الوضع يجب أن ينسب دوماً إلى شيء ما؛ بالنسبة للبرج أو بالنسبة للمسطرة في التجربة المذكورة مثلاً. فلكي نستطيع أن نعين أمكنة الأجسام لابد من اعتماد شيء نسميه جملة بالمقارنة. فلتعيين أمكنة الأشياء والناس في مدينة ما نستخدم أسماء الشوارع التي تشكل جملة المقارنة التي تنتسب إليها أرقام البيوت. ونحن حتى الآن لم نهتم، عند الكلام عن قوانين الميكانيك، بذكر أية جملة مقارنة لأننا، ونحن نحيا على الأرض، لا نجد أية صعوبة في اعتماد جملة مقارنة مربوطة بالأرض في أية تجربة نريد. وهذه الجملة المؤلفة من قضبان مدرجة صلبة ثابتة ننسب إليها كل نتائج الرصد تسمى جملة إحداثيات أو جملة مقارنة أو مرجعاً. أما نحن فنستعمل الكلمة الواحدة: مرجع.
إن كل أقوالنا عن الظواهر الفيزيائية مشوبة، حتى الآن، بثغرة صغيرة. فنحن لم نأخذ بعين الاعتبار واقع أن الملاحظات الرصدية (وسنقول عمليات الرصد) يجب أن تتم كلها بالنسبة لمرجع معين، وبدلاً من أن نعين هذا المرجع بدقة كنا نتجاهل وجوده. فعندما كنا نقول مثلاً: «إن الجسم يتحرك بانتظام..» كان علينا في الواقع أن نقول: «إن الجسم يتحرك بانتظام بالنسبة للمرجع الذي..». ولقد علمتنا تجربة الغرفة الدوارة أن نتائج التجربة الفيزيائية الواحدة قد تختلف باختلاف المرجع الذي نرصد التجربة منه.
فإذا كنا إزاء مرجعين يدور أحدهما بالنسبة للآخر فإن قوانين الميكانيك لا يمكن أن تكون صحيحة في كلا المرجعين معاً. فإذا كان سطح الماء في بركة أفقياً واتخذنا هذا السطح مرجعاً أولاً فإن سطح البركة المماثلة المربوطة بالمرجع الآخر الدوار لن يكون أفقياً لأنه يتخذ شكلاً معروفاً لدى كل من جرب أن يحرك القهوة بالملعقة في فنجانها.
فعندما صغنا قوانين الميكانيك الرئيسية أهملنا نقطة هامة، وهي أننا لم نذكر المرجع الذي تكون فيه هذه القوانين صحيحة. فكل علم الميكانيك يبقى، لهذا السبب، معلقاً في الهواء لأننا لا نعلم المرجع الذي يُنسب إليه هذا العلم. ومع ذلك نغض، في الوقت الحاضر، النظر عن هذا النقص. وسنفترض، رغم أن هذا الافتراض ليس صحيحاً بالضبط، أن قوانين الميكانيك صحيحة في كل مرجع مرتبط بالأرض. ونحن إنما نقبل هذا الافتراض لأنه قريب جداً من الواقع، ولكي نعتمد على مرجع معين يتدارك ذلك النقص في أقوالنا.
وهكذا نفترض وجود مرجع تكون فيه قوانين الميكانيك صالحة. فهل هو المرجع الوحيد؟ لنتصور مرجعاً آخر، قطاراً أو سفينة أو طائرة، متحركاً بالنسبة للأرض. هل ستكون قوانين الميكانيك صالحة الاستعمال في هذا المرجع؟ نعلم يقيناً أنها ليست صالحة دوماً، فهي تفسد مثلاً عندما يسير القطار مسرعاً في منعطف، وعندما تتأرجح السفينة بلطم النوء العاصف، وعندما تنقض الطائرة هاوية. لنبدأ بمثال بسيط: مرجع يتحرك مستقيماً بانتظام بالنسبة لمرجعنا «الصالح» أي بالنسبة للمرجع الذي تكون فيه قوانين الميكانيك صالحة، كقطار مثالي أو كسفينة تنساب في خط مستقيم وفي بحر هادئ ممتع دون أن تغير سرعتها أبداً. إننا نعلم بالخبرة أن هذين المرجعين، القطار والسفينة، (صالحان): أي أن التجارب التي قد نجريها في قطار أو في سفينة متحركين بانتظام ستعطي نتائج لا تختلف البتة عن نتائج التجارب نفسها عندما نجريها في المخبر على سطح الأرض. لكن إذا توقف القطار فجأة، أو تسارع تسارعاً شديداً فجأة أو هاج البحر، فإن أموراً غريبة تحدث. تقفز الحقائب من رفوفها على رؤوس المسافرين في القطار وتضطرب الطاولات والكراسي في السفينة ويصاب الركاب بدوار البحر. وهذا يعني بلغة الفيزياء أن قوانين الميكانيك لم تعد تنطبق على هذه المراجع، أي أنها مراجع «سيئة» .
يعبر الفيزيائي عن هذه النتائج بما يسميه مبدأ النسبية الغاليلي: إذا كانت قوانين الميكانيك صحيحة في مرجع ما، فإنها حتماً صحيحة في أي مرجع متحرك بالنسبة له حركة مستقيمة منتظمة.
فإذا كنا إزاء مرجعين لا يتحرك أحدهما بالنسبة للآخر حركة منتظمة فإن قوانين الميكانيك لا يمكن أن تكون صحيحة في كليهما معاً. ويطلق عادة على كل مرجع «صالح» أي كل مرجع يكون فيها مبدأ العطالة صحيحاً، وبالتالي كل قوانين الميكانيك صحيحة، اسم مرجع عطالي. إن مسألة وجود، أو عدم وجود، مرجع عطالي في الطبيعة ما تزال مطروحة، ولكن إذا وجد مرجع، ذلك أن أي مرجع يتحرك حركة مستقيمة منتظمة، عطالي واحد فيوجه عدد أمثاله لانهائي منا بالنسبة لمرجع عطالي، هم مرجع عطالي أيضاً.
لنتأمل حالة مرجعين ينطلقان من نقطة معينة ويتحركان بانتظام، أحدهما بالنسبة للآخر، بسرعة معينة ولمن يحب الصور الملموسة أن يتصور قطاراً، أو سفينة، متحركاً بالنسبة للأرض. إن قوانين الميكانيك ممكن التحقق منها بدرجة واحدة من الصحة على الأرض أو في القطار أو على السفينة، لكن صعوبة تبنا عندما يأخذ راصدان منتميان إلى مرجعين يختفين بمناقشة نتائج رصد. حادث واحد كلاهما براه كل منهما من مرجعه. ليكن هذا الحادث حركة جسيم واحد مرصودة من هذين المرجعين من الأرض ومن القطار المتحرك بانتظام؛ كلاهما مرجع عطالي. فهل يكفي أن عرف نتيجة الرصد في أحد المرجعين كي نجد منها نتيجة الرصد في المرجع الآخر إذا كنا نعرف سرعة أحدهما بالنسبة للآخر ووضع أحدهما بالنسبة للآخر في لحظة معينة؟ إن من المهم جداً، في توصيف الحوادث، أن أعرف كيف نمر من مرجع لآخر، طالما كان المرجعان متكافئين وكان كل منهما صالحاً لتوصيف الحركات في الطبيعة. الواقع أنه يكفي، في الظروف المذكورة، أن نعرف النتائج التي حصل عليها راصد في مرجعه كي نعرف النتائج التي حصل عليها الراصد الآخر في مرجعه.
لنتأمل في هذه المسألة بكثير من التجريد، أي دون أن نستخدم قطاراً أو سفينة. ولتبسيط المسألة ندرس الحركة على خط مستقيم فقط. قضيب صلب مدرج وميقاتية جيدة. يمثل القضيب، في الحركة المستقيمة، مرجعاً كالمسطره المستخدمة قرب البرج في تجربة غاليله تماماً. إلا أن من الأبسط والمستحسن دوماً أن نمثل، في الحركة المستقيمة، المرجع بقضيب صلب وأن نمثل المرجع، في حالة حركة اختيارية في الفراغ، بتجميع من القضبان المتوازية والمتعامدة لا بأبراج وجدران وشوارع وأشياء أخرى. لنفترض، كمثال بسيط، أن لدينا مرجعين أي قضيبين صلبين؛ لرسمهما واحداً فوق الآخر (شكل 1) . سندعوهما المرجع «العلوي» والمرجع «السفلي». ونفترض أن المرجعين يتحركان، أحدهما بالنسبة للآخر، بسرعة معينة بحيث ينزلق أحدهما على الآخر. كما أن من المفيد أن يكونا طويلين قدر ما نريد بحيث يكون لكل منهما مبدأ ولا يكون له نهاية. إن ميقاتية واحدة تكفي للمرجعين لأن انسياب الزمن واحد بالنسبة لكليهما. نبدأ الرصد لحظة انطباق مبدأيهما، وعندئذ يتعين موضع نقطة مادية بالعدد نفسه عليهما: أي أنها تنطبق على خط من المسطرة المدرجة. وهكذا نرى عدداً يعين مكان النقطة المادية. لكن إذا تحرك أحد القضيبين بالنسبة للآخر فإن الأعداد المتقابلة منهما سوف تختلف بعد زمن، ولنقل ثانية واحدة. لنتأمل نقطة مادية ساكنة على القضيب العلوي. فالعدد الذي يعبر عن مكانها في المرجع العلوي لا يتغير بمرور الزمن. لكن العدد المقابل لها على القضيب السفلي سيتغير. وبدلاً من أن نقول العدد المقابل لمكان (النقطة) سنقول اختصاراً إحداثي النقطة. هذا ورغم أن النص الذي سنسوقه الآن معقد بعض الشيء إلا أن الرسم يؤكد صحته ويدل على أنه شيء بسيط جداً: إن إحداثي نقطة في المرجع السفلي يساوي إحداثيها في المرجع العلوي مضافاً إليه إحداثي نقطة بدء المرجع العلوي في المرجع السفلي. إن بيت القصيد هنا هو أننا نستطيع دوماً حساب موضع الجسيم في مرجع إذا علمنا موضعه في المرجع الآخر. ولا نحتاج، في سبيل ذلك، إلا لأن نعلم في كل لحظة وضع أحد المرجعين بالنسبة للآخر. إن هذا القول قد يبدو عميقاً لكنه في الواقع بسيط جداً، ويكاد لا يستحق هذه المناقشة المفصلة لو لم يجب علينا أن نستفيد منه فيما بعد.
الشكل 1
وقد يكون من المفيد أن نلاحظ أنه يوجد فرق بين تعيين موضع نقطة وبين تعيين زمن حادث. فلكل راصد قضيبه الخاص الذي يتخذه مرجعاً له؛ ولكن لا يوجد سوى ميقاتية واحدة للجميع. فالزمن شيء (مطلق) ينساب بأسلوب واحد لدى كل الراصدين في كل المراجع.
والآن إلى مثال آخر. رجل يتنزه بسرعة ثلاث كيلومترات في الساعة على سطح سفينة. إنها سرعته بالنسبة للسفينة أو بتعبير آخر، بالنسبة لمرجع مربوط بالسفينة. فإذا كانت سرعة السفينة ثلاثين كيلومتراً في الساعة، وكانت حركة المتنزه وحركة السفينة في اتجاه واحد، فإن سرعة المتنزه ستكون ثلاثة وثلاثين كيلومتراً في الساعة بالنسبة لرجل واقف على الشط، أو ثلاث كيلومترات في الساعة بالنسبة للسفينة. يمكن أن نعبر عن هذا الواقع بنص أكثر تجريداً: إن سرعة نقطة مادية في المرجع السفلي تساوي سرعتها في المرجع العلوي مضافاً إليها، أو مطروحاً منها (حسبما يكون للسرعتين اتجاه واحد أو اتجاهان متعاكسان على الترتيب نفسه) سرعة المرجع العلوي بالنسبة للمرجع السفلي؛ فنحن نستطيع إذن دوماً أن نحوّل، لا المواضع فقط، بل والسرع أيضاً لدى المرور من مرجع لآخر إذا علمنا سرعة أحد المرجعين بالنسبة للآخر. وبنتيجة ذلك كله نرى أن المواضع، أي الإحداثيات، والسرع هي نماذج لمقادير تتفاوت قيمها بتفاوت المراجع وأن التفاوت في كل مقدار يطيع قانون تحويل خاصاً به؛ وقانونا تحويل الموضع والسرعة، في أمثلتنا الراهنة، بسيطان جداً.
الشكل 2
على أنه يوجد مقادير لا نتغير قيمها من مرجع لآخر، فلا حاجة بها لقانون تحويل. لنأخذ كمثال نقطتين، لا نقطة واحدة، ثابتتين في موضعيهما على القضيب العلوي. لنتأمل في المسافة بينهما. إنها الفرق بين إحداثي النقطتين. ولإيجاد موضعي النقطتين في مراجع أخرى يجب أن نستخدم قانون تحويل الموضع. لكننا لدى حساب الفرق بين الموضعين نرى بسهولة أن الإسهامين الناجمين، في تحويل الموضعين إلى أي مرجع آخر، سيعدم كل منهما الآخر، كما هو واضح على الشكل 3؛ أي أننا يجب أن نجمع ونطرح المسافة بين مبدأي المرجعين. فالمسافة بين نقطتين هي إذن لا متغيرة لدى الانتقال من مرجع لآخر، أي أنها مستقلة عن اختيار المرجع.
الشكل 3
وكمثال آخر على مقدار مستقل عن اختيار المرجع، أي مقدار لا متغير، نسوق تغير السرعة، وهو مفهوم صادفناه في الميكانيك. نعتبر من جديد نقطة مادية متحركة على خط مستقيم ونرصدها من مرجعين. إن تغير سرعتها هو، في كل من المرجعين، فرق بين سرعتين. فلدى استعمال قانون تحويل السرعة مرتين، مرة لكل من هاتين السرعتين، فإن إسهامي السرعة الثابتة، لأحد المرجعين بالنسبة للآخر، سيعدم أحدهما الآخر لدى حساب الفرق بين السرعتين في المرجع الذي ننتقل إليه. فلا يبقى في هذا الفرق سوى الفرق الذي كان موجوداً في المرجع الذي انتقلنا. فتغير السرعة هو إذن مقدار لا متغير لدى الانتقال من مرجع لآخر، شرط أن تكون سرعة أحد المرجعين، بالنسبة للآخر، منتظمة طبعاً، ماذا وإلا يصبح تغير السرعة متفاوت القيمة بين مرجع وآخر: وهذا التفاوت ينجم بالطبع عن تغير سرعة أحد القضيبين، الممثلين للمرجعين، بالنسبة للآخر.
والآن إلى مثال أخير. لدينا نقطتان ماديتان تتبادلان قوة لا تتعلق إلا بالمسافة بينهما. فلما كانت المسافة، في الحركة المنتظمة، لا متغيرة فإن القوة تكون لا متغيرة أيضاً. وعلى هذا فإن قانون نيوتن، الذي يربط بين القوة وتغير السرعة، يكون صحيحاً في المرجعين. وهكذا نتوصل مرة أخرى إلى نتيجة تؤكدها الخبرة اليومية: إذا كانت قوانين الميكانيك صحيحة في مرجع ما، فإنها تظل صحيحة في أي مرجع متحرك بالنسبة له حركة مستقيمة منتظمة. لقد كان مثالنا بسيطاً جداً؛ إنه حركة مستقيمة يمكن أن يتمثل فيها المرجع بقضيب صلب. لكن النتائج التي توصلنا إليها صحيحة بشكل عام ويمكن إيجازها فيما يلي:
1 - لا نعرف أية وسيلة لإيجاد مرجع عطالي. ولكن إذا أعطينا مرجعاً عطالياً واحداً، نستطيع أن نجد عدداً لا متناهياً من مراجع عطالية أخرى. لأن أي مرجع متحرك حركة مستقيمة منتظمة بالنسبة لأي مرجع عطالي هو أيضاً مرجع عطالي (أي أن قانون العطالة فيه صحيح وكل قوانين الميكانيك الأخرى)
2- إن زمن وقوع حادث ما، هو نفسه في كل المراجع. لكن الإحداثيات والسرع تتفاوت بين مرجع وآخر، وتغيراتها تطيع قوانين التحويل.
3- رغم أن الإحداثيات والسرع تتغير عندما ننتقل من مرجع لآخر، فإن المسافة وتغير السرعة والقوة، وبالتالي قوانين الميكانيك، لا متغيرة كلها بالنسبة لقوانين التحويل.
هذا وإن قوانين التحويل المصوغة هنا، من أجل الإحداثيات والسرع، تسمى قوانين التحويل في الميكانيك التقليدي، أو بعبارة أقصر، التحويل التقليدي.
الاكثر قراءة في الميكانيك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)