قال تبارك وتعالى في نبيّه الأكرم، مخاطباً الناس: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}.[1]
وهل يمكن الحرص على هداية الناس بدون اتّباعهم أحداً؟ وهل الإطاعة والاقتداء متيسّران بدون رئاسة ولزوم المتابعة؟ ومن هذا المنطلق، كان المشركون والكافرون يؤذون النبيّ ويتهكّمون به ويتّهمونه. ذلك أنَّ النبوّة تستلزم الرئاسة. فكانوا يرون أنَّ رئاسة النبيّ تهدّد مناصبهم وتنغّص عليهم حياتهم. فلهذا كانوا ينكرون نبوّته حفظاً لرئاستهم التي تتعارض مع رئاسة النبيّ، وإطاحةً برئاسة النبيّ نفسه.
أمّا النبيّ الرحيم فقد كان دائم الحرص على إخراج هؤلاء المساكين من ربقة أفكارهم الجاهليّة، وآدابهم وعاداتهم البهيميّة. لم يكن له ليل ونهار؛ ولم يسترح لحظة واحدة، كان يتضوّر جوعاً وعطشاً، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه. وكان دائماً موجوداً في ميادين القتال وأقرب المسلمين إلى العدوّ. وهاجر إلى الطائف لشدّة العنف والأذى والعذاب الذي لاقاه بمكّة. ولم يستقبلوه هناك، فقفل راجعاً إلى مكّة خائباً حيث لم يؤويه أحد فيها، إذ كانوا كلّهم أعداءه، ومصمّمون بأجمعهم على قتله وسفك دمه؛ فاضطرّ إلى الاحتماء بأحد المشركين. وقضي في شعب أبي طالب ثلاث سنين سجيناً معذّباً ومعه بنو هاشم وبعض المسلمين، حيث حرّموا عليهم الطعام، وحظروا الزواج والتعامل معهم. وكان صراخ جوع الأطفال يصل إلى مكّة ليلًا والمشركون يسمعون إلى أن اضطرّ للهجرة هارباً من مكّة. ومكث في غار ثور ثلاثة أيّام كي لا يتمكّن المشركون أن يتقصّوا طريقه. ووحده أمير المؤمنين رجل الساحة الذي سار على هديه في الحرص على إيمان الناس، وقدّم نفسه بكلّ إخلاص قرباناً للّه، ورقد في فراش النبيّ مطمئنّاً.
ومن الواضح أنَّ هذه المشاكل كلّها، وهذه المعاناة والمقاسات كانت دعوة إلى الرئاسة، أي: وجوب طاعة الناس طاعة مطلقة لُاولئك الأشخاص. أمّا الرئاسة الإلهيّة والمعنويّة فحليفتها الهموم، وقرينها التشرّد، ولا تعني الجلوس على العرش ورفع تاج الاستكبار، واستعباد الناس الأبرياء، وجرّهم ليكونوا تحت مطرقة الطغاة.
إنَّ مؤاخذة عمر أميرَ المؤمنين عليه السلام بحرصه على الرئاسة تتمثّل في الرئاسة بمنظاره الضيّق والمظلم. لقد قاس ذلك على نفسه وممارساته، ناسياً الوصايا والتأكيدات والآيات القرآنيّة، وباع ذلك كلّه بثمن بخس من أجل الرئاسة، بيد أنَّ منظار أمير المؤمنين عليه السلام للرئاسة شيء آخر، ويشغل افقها مساحة شاسعة لا تجد الأهواء إليها سبيلًا.
كار پاكان را قياس از خود مگير *** گر چه باشد در نوشتن شير شير[2]
لو كان أمير المؤمنين عليه السلام طالباً لرئاسة غير إلهيّة، لامتشق حسامه منذ اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلّى الله عليه وآله وأخذ حقّه بقمع المتآمرين وتأديبهم. وكان قادراً على ذلك، بيد أنه لمّا رأى الخطر محدقاً بالإسلام، تنازل عن تلك الرئاسة، عاضّاً على الألم، متدرّعاً بالصبر، وفي عينه قذى، وفي حلقه شجى. ونقل ابن أبي الحديد: لمّا اجتمع المهاجرون على بيعة أبي بكر، أقبل أبو سفيان إلى المدينة وهو يقول: أمَا واللهِ إنِّي لأرَى عَجَاجَةً لَا يُطْفِئُهَا إلَّا الدَّمُ؛ يَا لِعَبْدِ مَنَافٍ! فِيمَ أبُو بَكْرٍ مِنْ أمْرِكُمْ؟! أيْنَ المُسْتَضْعَفَانِ؟ أيْنَ الأذَلَّانِ؟- يعني عليّاً والعبّاس- مَا بَالُ هَذَا في أقَلِّ حَيّ مِنْ قُرَيْشٍ؟
ثمّ قال لعليّ عليه السلام: ابْسُطْ يَدَكَ ابَايِعْكَ، فَوَ اللهِ إنْ شِئْتَ لأمْلأنهَا على أبِي فُضَيْلٍ- يعني أبا بكر- خَيْلًا ورَجِلًا! فَامْتَنَعَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ قَامَ عَنْهُ وهُوَ يُنْشِدُ شِعْرَ المُتَلَمِّسِ:
وَلَا يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ بِهِ *** إلَّا الأذَلَّانِ غَيْرُ الحَيّ والوَتَدُ
هَذَا عَلَى الخَسْفِ مَرْبُوطٌ بِرُمَّتِهِ *** *** وذَا يُشَجُّ فَلَا يَرْثَى لَهُ أحَدُ[3]
ونقل الطبريّ، وابن الأثير أنّ أمير المؤمنين عليه السلام زجر أبا سفيان، وقال له: إنَّكَ واللهِ مَا أرَدْتَ بِهَذَا إلَّا الفِتْنَةَ! وإنَّكَ واللهِ طَالَمَا بَغِيتَ لِلإسْلَامِ شَرّاً! لَا حَاجَةَ لَنَا في نَصِيحَتِكَ![4]
مضافاً إلى أبي سفيان، جاء العبّاس عمّ رسول الله إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: جئت ابايعك؛ فيقال: عمّ رسول الله بايع ابن عمّ رسول الله، فلا يختلف عليك اثنان.
وقال ابن قتيبة الدينوريّ: قَالَ العَبَّاسُ لِعَليّ بْنِ أبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ ابَايِعْكَ، فَيُقَالُ: عَمُّ رَسُولِ اللهِ بَايَع ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ، ويُبَايِعُكَ أهْلُ بَيْتِكَ فَإنَّ هَذَا الأمْرَ إذَا كَانَ لَمْ يُفَلْ.
فَقَالَ عَلِيّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ: ومَنْ يَطْلُبُ هَذَا الأمْرَ غَيْرُنَا؟![5]
وعلى الرغم من أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم أنَّ الخلافة والإمارة له لا لغيره، بيد أنه تنازل عن حقّه المسلّم به إرضاءً للّه وعملًا بوصيّة رسول الله، وتفادياً لوقوع الفتنة والفساد، وحفظاً للإسلام الفتى من السقوط والتداعي.
وهذه هي حقيقة التنازل ونكران الذات، والتضحية والعبوديّة؛ وهذا هو مفاد الشهامة والشجاعة والمروءة والعظمة والكرامة؛ وهذا هو معنى الولاية والإشراف والرعاية. وهذه هي حقيقة السعة والإطلاق والتجرّد.
يقول ابن قتيبة: لمّا اخذ عليّ كرّم الله وجهه إلى المسجد للبيعة، كان يقول: أنَا عَبْدُ اللهِ وأخُو رَسُولِهِ. فَقِيلَ لَهُ: بَايِعْ أبَا بَكْرٍ! فَقَالَ: أنَا أحَقُّ بِهَذَا الأمْرِ مِنْكُمْ! لَا ابَايِعُكُمْ وأنْتُمْ أوْلَى لي! أخَذْتُمْ هَذَا الأمْرَ مِنَ الأنْصَارِ؛ واحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ وتَأخُذُونَهُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ غَصْبَاً.
ألَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلأنْصَارِ أنكُمْ أوْلَى بِهَذَا الأمْرِ مَنْهُمْ، لِمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنْكُمْ؛ فَأعْطُوكُمُ المَقَادَةَ، وسَلَّمُوا إلَيْكُمُ الإمَارَةَ؟ وأنَا أحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأنْصَارِ. نَحْنُ أوْلَى بِرَسُولِ اللهِ حَيَّاً ومَيِّتَاً؛ فَأنْصِفُونَا إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ؛ وإلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكَاً حتّى تُبَايِعَ! فَقَالَ لَهُ عَلِيّ: احْلُبْ حَلْبَاً لَكَ شَطْرُهُ! واشْدُدْ لَهُ ألْيَومَ أمْرَهُ يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَدَاً. ثُمَّ قَالَ: واللهِ يَا عُمَرُ! لَا أقْبَلُ قَوْلَكَ ولَا ابَايِعُهُ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنْ لَمْ تُبَايِعْ فَلَا اكْرِهَكَ![6]
أجل، لا يغيب على المؤرّخين والباحثين في السير أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لو كان قبل بيعة العبّاس وأبي سفيان، ورفع لواء المعارضة للسقيفة مع الثلّة التي كانت معه من المهاجرين والأنصار وبني هاشم، فلا جرم كان يتسلّم مقاليد الامور، بيد أنَّ هذا العمل ما كان يتحقّق سلميّاً ونقيّاً من شوائب الفتنة وإراقة الدماء. ذلك لأنَّ الطرف المقابل الذي يمثّل الحزب المعارض كان يعتزم التآمر، ولو نشبت نار المواجهة، لُاريقت الدماء، وقُتِلَ حفظة القرآن الذين كانوا يحفظونه في صدورهم؛ فلهذا تنازل أمير المؤمنين عليه السلام عن حقّه الثابت والأكيد للّه وفي الله، وتجرّع الغصص والهموم لوجه الله، وتحمّل ما تحمّل من فقدان العزّ الظاهريّ، وكسر ضلع السيّدة الزهراء، ووفاتها مهضومة، ويُتم الأطفال، وغير ذلك، لئلّا تذهب جهود النبيّ على امتداد ثلاث وعشرين سنة أدراج الرياح، ولا تستبدل الرئاسة الظاهريّة بالحقائق.
[1] الآية 128، من السورة 9: التوبة.
[2] يقول: «لا تقس عمل الصالحين بعملك، فكلّ ما هو موجود تشابه شكليّ ظاهريّ» [جاء في عجز البيت ما تعريبه: فكلّ ما هو موجود يكمن في كتابة (شير) (شير) والاولي تعني الأسد والثانية تعني الحليب. وقصد الشاعر هنا التشابه فقط في الكتابة ولكنّهما مختلفان في المعني والحقيقة].
[3] «شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 221 و222 ضمن شرح الخطبة الخامسة، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[4] «تاريخ الطبريّ» ج 3، ص 209، طبعة دار المعارف بمصر؛ و«الكامل في التاريخ» ج 3، ص 326، طبعة بيروت، سنة 1385 هـ. ونقل البيت الثاني في هذين الكتابين هكذا: مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ.
[5] «الإمامة والسياسة» ص 6؛ و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 1، ص 160 و161، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة.
[6] «الإمامة والسياسة» ص 12.