

اخبار الساحة الاسلامية

أخبار العتبة العلوية المقدسة

أخبار العتبة الحسينية المقدسة

أخبار العتبة الكاظمية المقدسة

أخبار العتبة العسكرية المقدسة

أخبار العتبة العباسية المقدسة

أخبار العلوم و التكنولوجيا

الاخبار الصحية

الاخبار الاقتصادية
سماحة السيد الصافي يؤكّد أن القرآن عظّم شخصية النبي (صلّى الله عليه وآله) وكشف زيف ما أُلصِق بسيرته
المؤلف:
alkafeel.net
المصدر:
الجزء والصفحة:
2026-01-22
93
أكّد المتولّي الشرعي للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، أنّ القرآن الكريم عظّم شخصيّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكشف زيف ما أُلصِق بسيرته. جاء ذلك خلال كلمة سماحته في مُلتقى غيث السماء القرآنيّ النسويّ الثاني، الذي نظّمته شعبةُ فاطمة بنت أسد (عليها السلام) للدراسات القرآنية، التابعة لمكتب المتولّي الشرعيّ للشؤون النسوية في العتبة العبّاسية المقدّسة، تحت شعار (بين الوحيِ ووفاءِ خديجةَ بدايةُ الرحمةِ للعالَمِين)، تزامُنًا مع ذكرى المبعث النبويّ الشريف، واحتفاءً باليوم الوطنيّ للقرآن الكريم. وبارك سماحته في مستهلّ حديثه للحاضرين ذكرى مناسبة المبعث المبارك وحلول هذا الشهر الكريم، داعيًا الله تبارك وتعالى أن يمنّ على الجميع بإخراجهم من الظلمات إلى النور. وبيّن سماحته أنّ الحديث عن القرآن واسعٌ وعميق، ولا يمكن الإحاطة به كلّه، لكنّ المناسبة تقتضي الحديث عن مسألة التأمّل فيه، وروايات أهل البيت (عليهم السلام) التي اهتمّت بالعقل، باعتبار أنّ أوّل ما خلق الله تعالى هو العقل، وهو أساس التكليف والمحاسبة. وأشار سماحته إلى عظمة مقام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) التي لا يُمكن الإحاطة بها، وأنّ سيرته تعرّضت للتحريف وإلصاق ما لا يليق به، بينما القرآن الكريم هو الذي يبيّن مقامه الحقيقيّ ويعظّم شخصيّته. وتحدّث سماحته حول كيفيّة التعامل مع القرآن الكريم، مؤكّدًا أنّه كتاب ليس سهلًا في مضمونه وألفاظه ودقّته، وهناك تأخّر في فَهمِه بسبب ضعف المعرفة باللغة العربية وطرائق تفسيره، ما يتطلّب تطوير الفهم للّغة للتمكّن من فهم معانيه بشكلٍ صحيح. وتطرّق سماحته إلى كثرة المشاكل التاريخية والاجتماعية والسياسية، التي أدّت إلى التنازل شيئاً فشيئاً عن اللغة العربية إلى أن طغت اللغة الدارجة، وأصبحت هناك صعوبة في قراءته عند عامّة الناس. وجاء في نصّ الكلمة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أبي القاسم محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين. قبل البدء أحبّ فقط أن أشخّص بعض العناوين التي هي عناوين واقعية، ابتداءً أودّ الترحيب بكم، فحضراتكم شرّفتمونا لكونكم حَللتُم ضيوفًا على أبي الفضل العباس(عليه السلام) وعلينا، -وأتكلّم عن نفسي إذ يفترض أن أكون خادمًا صغيرًا لأبي الفضل سلام الله عليه-، ولا شكّ أن الضيف له منزلةٌ أعلى من منزلة الخادم، فالرجاء من الضيوف الأعزّاء أن لا ينسونا من الدعاء، أسأل الله تعالى لكم دوام التوفيق، مبتَدِئاً بتحيّة الإسلام، فأقول: السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته. أسعد الله أيّامكم بيوم المبعث المبارك في هذا الشهر الكريم، سائلين الله تبارك وتعالى أن يمنّ على الجميع بإخراجهم من الظلمات إلى النور، فإنّ هذه الرسالة هي التي جاء بها المصطفى (صلّى الله عليه وآله). واقعًا.. الحديث عن القرآن الكريم وما يتعلّق به، حديثٌ طويلٌ جدًّا، ولا نستطيع قطعاً أن نُلمّ ببعض ما فيه، فضلاً عن كلّه، لكنّ المناسبة تقتضي على الإنسان أن يتحدّث بما يستطيع، وأنا سأبدأ من مسألة التأمّل، طبعاً إذا يرجع الإخوة الأعزّاء إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام) التي هي مشحونة بالاهتمام بالعقل، سيجد أنّها تشير إلى أن أوّل ما خلق الله تعالى هو العقل، إذ قال له: أقبـِلْ فأقبلَ، أدبِـرْ فأدبَرَ، ثمّ تبيّن الروايات أن الله تعالى يحاسب على العقل، وما أودعه إلّا في الكامِلِين من الناس، حتّى ورد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه لم يكلّم الناس بكُنه عقله قطّ، لأنّ الناس قد لا تفهم ولا تقدر أن تستوعب معارف عقله، فنحن عندنا أنّه سيّد الرسل، ومقام النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مقامٌ واسع جداً لا نستطيع قطعاً أن نحيط بشؤونه، وبالنسبة لنا فإنّ السيرة المباركة للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) تحتاج الكثير من الغربلة، فكثيرٌ من الأمور قد أُلصِقت بالنبيّ وهو بريءٌ منها، في قِبال أننا نرى أنّ القرآن الكريم يعظّم هذه الشخصية العظيمة، ولعلّنا ذكرنا في موردٍ سابق أنّ الله سبحانه وتعالى عندما مَنّ على نبيّه بالعروج به إلى السماء، وردت آيةٌ تقول: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ). بالطبع أنّ الإنسان يُكذَب بِاللّسانِ وليس بالقلب، فالقلب محلّ الاعتقاد، حيث تطلق بعض العبارات في التكذيب بخلاف المتوقّع، وخلاف الاعتقاد، فتقول: ما كذب الفؤاد ما رأى، مع أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) رأى أشياء، والقرآن الكريم لم يعبّر أو يفصّل ما رآه النبيّ، لكن أعطاه هذه الخصوصيّة، باعتبار أنّ عالَم السماء هو عالَم النبيّ، فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله) قال: (كنتُ نبيّاً وآدم بينَ الماء والطين)، وفي ساق العرش موجودٌ اسمُه المبارك، فعالَم الآخرة هو عالَم النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فهو سيّد الرُسُل بلا منازع، وكتابُهُ هو سيّد الكُتُب بلا منازع، ووصيّه وأوصياؤه هم سادة الأوصياء بلا منازع، هذا مقتضى الاعتقاد. روايات العقل، وما ورد في القرآن الكريم مشحونٌ أيضاً بما يتعلّق بالعقل، تارةً يعبّر عنه بعباراتٍ مثل (أُولِي الأَلبابِ) ولها جَنبة، وتارة يعبّر (لعلّكم تَعقِلون)، تارةً يعبّر (أفلا يتدبّرون القُرآن)، وهذه من الألفاظ المتعلّقة بطبيعة الإنسان، بشرط أن يخلو ذهنه من المؤثّرات التي تؤثّر على التفكير وعلى الفطرة، أو تؤثّر على إعطاء مقدّمات، وهي قطعاً لا تؤدّي إلى نتائج، بل قد تكون شبه نتائج، وننخرط معها، وبالنتيجة هو سرابٌ ليس له أيّ واقع. المقصود من هذه المقدّمة البسيطة، هو فهم كيف نتعامل مع القرآن؟، وهذه دعوةٌ لي قبل أن تكون للإخوة الأعزّاء والأخوات، القرآن الكريم كتابٌ ليس سهلاً، نعم هذه الألفاظ المركّبة، هي ألفاظ عربيّة، لكن ألفاظٌ فيها إعجاز، والقرآن تحدّى فيها مضموناً وألفاظاً، ليست مضموناً فقط، فالألفاظ فيها معانٍ بدقّة عالية في اللغة العربية، تكمن فيما جاءنا فيه القرآن الكريم، والكثير منّا -ممّا يؤسف له- تأخّر كثيراً عن النصوص القرآنية، فأصبح فهمه فهماً مُعوَجّاً لعدم قدرته على فهم اللغة بالطريقة التي جاء بها القرآن. ولكثرة المشاكل التاريخية والاجتماعية والسياسية، بدأنا نتنازل شيئاً فشيئاً عن ثوابت اللّغة، إلى أن طغت اللّغة الدارجة، فأصبحنا أمام القرآن الكريم لا نملك القدرة على أن نقرأه ونفهمه كما هو، وهنا طبعًا لا أقصد أهل الاختصاص، إنّما من عامّة الناس. نحن في بعض الحالات نسمع من بعض مَنْ يتصدّى للكلام أمام جمهورٍ معيّن، أو خلال لقاءٍ تلفزيونيّ، كلاماً في الحقيقة يؤذي الإنسان كثيراً، يتأذّى عندما يسمع هؤلاء يتكلّمون، حتّى في قراءة آيةٍ، فهو قد يغيّر فيها بشكلٍ مُلفتٍ للنظر، لأنّه لم يألف القرآن طول حياته، يعني قد يفاجَأُ عندما يقال له: اقرأ هذه الآية!! لا يستطيع أن يقرأها لا لغةً ولا نَحواً!!، وهذا كمٌّ كبير عندنا، إذا كان لا يصدق أنّه سيقرأ الآية، كيف يتأمّلها؟!، وعادة الإنسان إذا نفر من شيء، لا يقترب منه، فيحرمُ نفسَه من كمٍّ هائلٍ من العلوم، يلتجئ إلى شُبهةِ العلوم!! وهنا أقصد جانب العلوم الإنسانية، ويحاول أن يستزيد منها، كلّما استزاد منها، وهو لا يحسن القراءة والتأمّل، استزاد بُعداً عن القرآن أيضاً، فلا يوجد شيء أو كتاب له حماية وحصانة من الباطل إلّا القرآن الكريم، مهما كانت عظمة هذا الكتاب، فكلّها قابلة للمناقشة. نعم ما صدر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وحُفِظ لنا بنفس الطريقة التي حُفِظ بها القرآن الكريم، يعني وفق التواتر، فهذا أيضاً محميٌّ من الباطل، وكذلك ما ورد عن الأئمّة (عليهم السلام) في الروايات الشريفة، التي نعبّر عنها في خبر الواحد بأنّها قابلة للمناقشة في إثبات الصدور أو عدم إثباته، وهذا علمٌ مستقلٌّ قطعاً، الآن الكلام ليس فيه. المقصود أنّ التأمّل في القرآن الكريم هو المطلوب من الإنسان، فقد يقرأ القرآن كثيراً، جزءًا أو جزئين، هذا جيّد، لكن قد تكون له أخطاء هائلة، فالمهمّ عند البعض أنّه يريد أن يطوي القراءة وينتهي منها!! هذا خلاف المطلوب، مثل الشُكر الآن، قل اشكُرْ الله تعالى، قال شكرًا لله، فقط في اللسان!! لكنّ عملية الشكر تحتاج إلى مقدّمة، فالقرآن يقول: (اعمَلُوا آلَ داوُدَ شُكراً، وقَليلٌ من عِبادِيَ الشّكور). الشكر ليس فقط أن الإنسان يقول: (الشكرُ لله)، إنّما منهج الشكر يُتَرجَم إلى سلوك، يدلّ على أن هذا الإنسان من الشاكرين، وهناك مناجاةٌ كاملة نُسِبت للإمام زين العابدين، هي مناجاة الشاكرين، فبعض مداليل الألفاظ، وبعض تأمّلاتنا نحن نبتعد عنها، حيث تُلهِينا أشياء كثيرة، والإنسان يلتهي بحُكم وضعه الدنيويّ، الدنيا تأخذه، وقطعاً أن الأمور المادّية تُشغِل الإنسان، بحيث أنّ ذهنه يستوحش من بعض الأمور. وهذا القرآنُ الكريم فيه من الأسرار الكثير، حتّى أن بعض أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) حين يتأمّلون في الآيات قد لا يهتدون إلى حلّ، فيسألون الإمام (عليه السلام) كما في موثّقة ابن بكير يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، ما معنى إذا قُمتم إلى الصلاة؟، سؤال جيّد، قال: إن الإنسان كلّما يقوم إلى الصلاة لا بُدّ أن يتوضّأ، مُقتضى ظاهر الآية إذا قُمتم إلى الصلاة فاغسلوا، يقول الإمام (عليه السلام) بما مضمونه، إذا قُمتم من النوم أنّ هذا حَدَثاً أصغر يستدعي الوضوء، ربّما خلاف مدرسة أهل البيت، أنّه كلّما قام إلى الصلاة يتوضّأ، وهو لم ينَمْ، كلّما قام إلى الصّلاة توضّأ، وتؤيّدها مئاتُ الآيات الشريفة. الإمام (عليه السلام) يبيّن ما مضمونه، أنّه لا يعرف القرآن أو لا يفهمه إلّا من خوطب به بلغةٍ عربيّة، والاستفادة من الآيات الشريفة يحتاج إلى مزيدٍ من التوفيق، كما أنّ القرآن الكريم جاء من الله تعالى، ففهم القرآن الكريم أيضاً يحتاج عوناً من الله تعالى والنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكان (صلّى الله عليه وآله) لا يُمكن أن يتكلّم بكلامٍ خالٍ من الوحي، فكلّ حياته الشريفة (إنْ هُو إلّا وَحيٌ يُوحى) سلوكًا وكلامًا، وهذا موضوعٌ في غاية الأهمّية. تكلّمت مع بعض الإخوة سابقًا في قضيّة تعريف النبيّ قرآنيّاً، الأخوات الكريمات المهتمّات بشؤون القرآن أرجو الالتفات إلى هذه النكتة العلميّة، النبيّ (صلّى الله عليه وآله) له شخصية، أو بطاقة شخصية قرآنيًّا، يعني أنّ القرآن عرّف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وهذا التعريف من القرآن للنبيّ، هو في غاية الأهمّية، فإذا جاءت سيرةٌ تاريخيّة فيها خلاف ذلك، فيجب أن تُضربَ عرض الجدار، فليس عندنا شيءٌ مقدّس غير القرآن والنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، النبيّ من قداسته، قدّسنا ما صدَرَ منه (صلّى الله عليه وآله)، و (وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، وجاءَ عن أوصيائه أكثر من مورد، أنّه نبّه عن يوم الغدير لكونه عيد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولأنّ فيه إكمالَ الرسالة وإتمامَ النعمة، هذا عيد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، نعم أكّد على أنّ وصيّه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فصار يوم الغدير يوماً مباركاً، لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خطب فيه تلك الخطبة، وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وبيّن أن إتمام النعمة وإكمال الدين تمّ هذا اليوم. المقصود أنّ هذه القداسة النبويّة تؤخذ من القرآن الكريم وهو الحَكَمُ فيها، فنقف عند القرآن، لنرى كيف يتعامل مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟. تلاحظون الآن أنّه لا يوجد مخلوقٌ أو كائن أعزّ على الله من النبيّ، ولا أفضل منه، وهو الذي علّم أمير المؤمنين، حين يقول: (علّمَني رسولُ الله ألف بابٍ من العِلم، ينفتح لي من كلّ بابٍ ألفُ باب)، الفارق بين أمير المؤمنين والنبيّ كبير قطعًا، والنبيّ معلِّمٌ لأمير المؤمنين، ومع ذلك فالإمام هو باب مدينة علم النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فإذن علمُ النبيّ شيءٌ مهول. نحن معاشر البسطاء قد لا ندرك هذه الأمور، والقرآن الكريم مع هذه الشخصيّة العظيمة يمدح النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في أخلاقه تارة، حين يقول له (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، والنبيّ لم يكنْ فظّاً بشهادة القرآن الكريم، لأن كلّمة (لو) هي أداة امتناع، أي إذا كنت كذلك، انفضّوا من حولك، وتارة يمدح أخلاقه (وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). إنّ الدارسات اللّغةَ العربيّة يعرفن المؤكِّدات في هذه الآية الشريفة، لاحظوا هذه الخصائص الكثيرة، الأخلاق، واليوم الأخلاق كما في الرواية الشريفة (أَحدُ مراكب النّجاة)، إذن عندما نتأمّل أنّ هناك خصائص للنبيّ، لا بُدّ أن نتنافس عليها، (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). نحن ممّا يؤسَف له، عندما نبتعد عن القرآن، فإنّنا بالنتيجة سنبتعد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ونبتعد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مفسّر القرآن، فنهج البلاغة مثلاً لا يخرج محتواه الوارد عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن القرآن، فكلّ نهج البلاغة إذا قرأناه، هو عبارة عن تبيان لحقائق القرآن الكريم بصياغة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو أقدر من غيره -ما عدا النبيّ(صلّى الله عليه وآله)- على هذه الصياغة، نبتعد عنه فنستوحش بعد ذلك منه. القرآن صادق (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)، يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)، ليس بالضرورة أن الضنك يعني قلّة مال، فهذا لا قيمة له عند الله تعالى، معيشةً ضَنكًا، من المُمكن أن تعني أن الإنسان يرى نفسه دائمًا في مشكلة، يخرج من مشكلةٍ ويقع في ثانية، لأنّ قدرته على فهم الأمور انعدَمَت، وإلّا الآن، الناس تُعرِضُ عن ذكر الله تعالى وهي مملوءة من الثراء في عالم الدنيا، فإذن ليس هذا هو المناط، وإنّما المناط هو فهم وإدراك المقصود، فكلّما ابتعدنا عن المعاني الصحيحة للآيات بدأنا نستوحش منها ولا نفهمها، والإنسان بطبيعته إذا لم يفهم شيئاً سيتركه، قلّةٌ من الناس يكترث، والذي يحاول أن يطرق حتّى الفهم (مَنْ لَـجَّ وَلَجَ)، وهناك مشاغل الدنيا أيضًا ينخرط فيها، حتّى تنطوي الأيام والليالي، وإذا بالعمر بدأ بالتناقص، وينتهي الإنسان يوم القيامة أمام الله تعالى. إنّ الدراسة في القرآن تحتاج إلى تنبيه وتأمّل، الإنسان حين يقرأ آيةً واحدةً يتأمّل فيها ويدقّق ويستفيد منها فائدةً قد تفتح له آفاقًا هائلة، خيرٌ له من قراءة عدّة آياتٍ بلا تدبّر. وبعض الآيات تتكلّم عن الذين يقرأون القرآن، أنّهم يقومون إلى ربّهم في آناء الليل وأطراف النهار، فليسوا كلّهم ممدوحين وجيّدين فعلاً، ففي كلامٍ للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع كميل في الكوفة، حين سمع كميلٌ شخصاً داخل بيتٍ يقرأ تلك الآيات، فقال كميل: أعجبني هذا، فهو في منتصف الليل يقرأ القرآن، فالتفت له أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: يا كميل لا تغرّك طنطنةُ الرجل فإنّه من أهل النار!!، كميل لم يتحدّث مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ راحت الأيّام والليالي، وظهر الخوارج ضدّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان يتمشّى مع كميل، وإذا بالرجل نفسه بين قتلى الخوارج، قلّبه فقال: هذا صاحبك الذي كان يقرأ القرآن!!. إذن ليست العبرة بالقراءة بقدر ما هو التأمّل فيها، والتأمّل بالقرآن لا يتمّ إلّا من خلال النبيّ (صلّى الله وعليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام). الأمّة الإسلامية اليوم ما شاء الله هي بلدُ المليارَي مسلم، لكنّ الاختلافات بينهم جمّة وقرآنهم واحد، نحتاج إلى تأمّل من العترة الطاهرة لتزول تلك الاختلافات، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) حذّرنا من ذلك، ولا يوجد أحنّ منه على أمّته، ولذلك نوّرنا ونصحنا، تارةً يتحدّث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيقول: (عليٌّ معَ الحقِّ والحَقُّ مع عليّ)، فيعني يا أيّها الملأُ انتبهوا! قد تَدلَهِمُّ الخطوب، وحينها يكون الإنسان قاصرًا عن التفكير، وقابليّات الناس متعدّدة في الفهم، وكأني بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) يقول: إنّي جعلتُ لكم رمزاً تهتدون به، فانتبهوا لهذا الرمز، إنْ جلس فالحقّ جالس، ولو نهض فالحقّ ناهض، يدور معه الحقّ أيضًا ويدور كلاهما مع الآخر، فهذه حجّة النبي (صلّى الله عليه وآله) علينا إلى يوم القيامة. وتارةً جعل (صلّى الله عليه وآله) السيدة فاطمة (عليها السلام) ميزاناً (إنّ الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها)، أيضًا سيرة السيّدة فاطمة (عليها السلام) موجودة وتدلّ على ذلك، فحين نقرأ عمّن رضت السيّدة فاطمة وعلى مَن غضبت، يعني رضا الله معها وغضب الله لغضبها، هذه حججٌ علينا، خصوصًا أنّ هذه الروايات مُعتَمَدةٌ عند المسلمين جميعًا. وأيضًا من جُملة الموازين (إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلَيْنِ كتاب الله وعترتي)، فهذان الثِقلانِ الأكبر والأصغر -كما في بعض الروايات- هما اللّذان أودعهما النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عندنا، فلا توجد حجّةٌ لنا عليه، فلله الحجّةُ البالغة، فإذن نحن أمام مسألةٍ في غاية الأهمّية، أمام سؤالٍ سيسألُنا اللهُ تعالى عنه دائمًا، ماذا فعلتُم إزاء تلك الحجج والأمانات؟!، ونجد أنّ بعض الآيات الشريفة مرعبة ومخيفة، منها (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ)، هذا أوّل شيءٍ فلا نستطيع أن نتحدّث بعده، الله يختم، (وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيْهِمْ) وآية (وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكسِبُونَ)، فالشاهد هنا أجزاء كلُّها منّي، فلاحظوا المشاهد القرآنيّة المُحذِّرة. (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ) القرآن يبيّن لنا خطوطاً عريضة، وعلى الإنسان أن يحاسب نفسه يوميّاً في تطبيقها، والنّجوى تعني هذا الحديث الذي بيني وين مَنْ أثق به، بين مَنْ أحبّه ومَنْ يكون في فريقي، يقول لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم، ومنها الغيبة والنميمة وأذيّة الغير والتفكّه بأعراض الناس، فيمشي الوقتُ وبالاً على صاحبه!، الإنسان فجأة ينظر في المرآة وإذا به يرى أنّه قد امتلأ شيباً!! وبعد مدّةٍ قد انحنى ظهره!! وبعد مدّةٍ هل من يعينُني؟!! إلى أن ينتهي... حقيقة أن الدنيا قصيرة جدّاً، أقصر ممّا نتوقّع، والقرآن الكريم يعبّر بقوله (هَذَا مَتاعٌ قَلِيل)، ومقصودي من كلّ هذا ضرورة التأمّل في الآيات، فمدارس القرآن ليست للحفظ فقط، لأنّه شيءٌ مقدورٌ عليه، إنّما الإشكال الآخر في التأمّل والعمل بما جاء به القرآن الكريم، فهذا يحتاج إلى مجاهدةٍ كبيرة للنفس. الإنسان متعوّدٌ على بعض الأشياء، والقرآن والسنّة المطهّرة يقولان له اترك هذه الأشياء، لكنّه يجد صعوبةً في تركها.. دخل أحد أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) عليه وقال: هناك رجلٌ قد كسب مالاً وحاله حسنت لكن هذا كلّه من أعمال بني أمية، وهؤلاء كانوا مشهورين في الوثوب على أموال الآخرين، فهذا الآن يريد أن يتخلّص ويتوب من ذلك، يبدو أنّه جاءته صحوة، فيسأل الإمام عن ماذا يصنع؟، فالإمام قال له: إذا أشرتُ عليه هل سيفعل؟، قال له السائل: نعم..، قال له: فليخرج من كلّ شيءٍ، كلّ شيءٍ كسبه يخرج منه، يتصدّق به، والإمام قال له: وله عليّ الجنّة، الآخر امتثل، تَصدّق تَصدّق تَصدّق، تصدّق بكلّ شيءٍ حتّى أنّه تَصدّق بملابسه كلّها، (وله عليَّ الجنّة).. التفتوا للجزاء.. النتيجة.. أنّ الإنسان يموتُ بعد مدّةٍ، وذلك الشخص فعَلَ كما قال له الإمام، وأوشك أن يموت، ففي حال الاحتضار، التفت إلينا وصحا، قال: يا فلان لقد وفى لي صاحبك!! ويقصد به الإمام، ويبدو أنّه عاين، ثمّ تُوفّي، يقول دفنّاه، وبعد مدّةٍ دخلت على الإمام الصادق (عليه السلام)، وحين وقع نظر الإمام عليه، قال له: يا فلان لقد وفينا لصاحبك. هناك أعمالٌ تحتاج إلى جهادٍ وتعب، ونحن مُقبِلون على شهرِ الصيام، وحقيقة هذا الشهر المبارك أنّه مُرَبٍّ، وهذه النفس تحتاج إلى تربيةٍ وترويض، وهذا يؤدّي إلى أنّ عقل الإنسان سيصفو، وكأنّه يقول: أنتم تقدرون أن تبتعدوا عن الأكل، وعن كلّ اللذائذ الحلال فضلاً عن المحرّمات، فالأكل وشرب الماء والعصير حلال، وجعل الله تعالى الشهر تارةً في الصيف وأخرى في الشتاء لتنويع التحدّيات فيه.. والإنسان في كلّ ذلك عليه أن يُحسِنَ التأمّل واختيار مصيره، فذاك مصيرٌ أبديّ، ليس فيه مجالٌ للرجعة، بعض الصالحين -وذلك مستحبٌّ لكلّ إنسان- يهيّئ قبره وينزل إليه، ويقرأ فيه القرآن، هذه السنن لطيفة لكن عامّة الناس أين هم من ذلك؟!.
كان البعض يحفر قبره وينام فيه كأنّه مات، ثم يردّد مع نفسه الآية الشريفة (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا)، فينتفض ويخاطب نفسه يقول: الآن أرجعناك، الآن باشر العمل الصالح، كي ينبّه نفسه، هذه الأمور النفسيّة ثابتة الأهمّية ولا علاقة لها بتطوّر الحياة من التكنولوجيا ووجود أدواتها كالهاتف النقّال. نعم التكنولوجيا بدأت تصرفنا عن المهمّات كثيراً، فكم ساعة الآن نقضي مع الموبايل؟!، وهو لا يعي أنّ الساعات التي تذهب منه لا تعود، بعض الناس أراه صباحًا وهو متّصل عليّ في 2 أو 3 ليلاً، وكأنّ بعض الناس لا تنام في الليل وتنام في النهار!!، هذا ماذا يفعل في الليل؟!، الصالحون كانوا يأنسون بالليل ووحشته، حيث أنّه في الليل الرقيب غير موجود، فقد ينشغل بمتاع الدنيا الوسخ، بالنتيجة للإنسان واعز من نفسه، أيّام وساعات وليالٍ، وإذا العمر للأسف الشديد ينقضي بلا فائدة.. أقول إنّ القرآن الكريم فيه بشاراتٌ ورحماتٌ كثيرة، لكن لا بُدّ لنا أن نسعى لمواطن الرحمة، ولا ندير ظهرنا إليها، فنركض مبتعدين عنها. رحمة الله تعالى واسعة، وعلينا نحن أن نركض إليها ونقترب، وفي الحديث القدسيّ ورد -ما معناه- أنّ العبد إذا تقدّم منّي شِبرًا تقدّمتُ منه ذراعًا، والإمام الحسين (عليه السلام) يوم الطف يقول: (فنِعمَ الربّ ربّنا وبئسَ العبيد أنتم). هذه التأمّلات من القرآن تزيد الإنسان بصيرةً، فهو لا يأخذ من الدنيا إلّا الكفاف، والبقيّة كلّها من الفضول، وفيها -والعياذ بالله- الموبقات والحرام مع صعوبة يوم القيامة. لذلك علينا التأمّل في العناوين، العناوين ممتازة، (غيث السماء) فعلاً غيث، والغيث من السماء ليس تعبيرًا عن المطر، فهو غير الغيث، لأنّ فيه طلب الاستغاثة، وكأنّ الإنسان في مأزق ويقول أغثني، وهذا الغيثُ يجيءُ كمُنقِذ. الله تعالى جعل لنا أبواب رحمةٍ وإنقاذ، هو النبيّ وأمير المؤمنين والزهراء وبقيّة الأئمّة، وأبو الفضل وزينب، وهذه الذرية الطاهرة (صلوات الله عليهم أجمعين)، فمن الصعب أن يخسر الإنسان، أخاطب نفسي أوّلاً، أنّه لا بُدّ أن نحظى برحمة الله تعالى، لأنّه لا توجد عندنا هناك إعادة للامتحان، فهو امتحانٌ واحد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا وإيّاكم على أنفسنا كما أعان الصالحين على أنفسهم، وأن يتقبّل منّا ومنكم صالح الأعمال، شكرًا كثيرًا، وثناءً كريمًا لمن قام بهذا المُلتقى المبارك، ولبناتي وأخواتي في المكتب النسويّ، والسادة الأعزّاء الأمين العام، والإخوة أعضاء المجلس، أسأل الله تعالى أن يكتب للجميع دوام التوفيق، وأن لا تنسونا من الدعاء، خصوصًا في شهر شعبان المعظّم وليلة النصف منه، وشهر رمضان المبارك، شهر رمضان المبارك الذي فيه ليلة التاسع عشر من رمضان، اهتمّوا بها، ففي الروايات أنّ في هذه الليلة المباركة، الله تعالى يقرّر ما يفعل للسنة القادمة، وليلة 23 تُعرَضُ على وليّه فيختمها، فتكون فيها الأرزاق والحاجات والتوفيقات، هذا أدب أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك البعض يقول: السنة تبدأ من 19 رمضان، تخطّط كلّها وتسلّم كورقةٍ إلى وليّه (سلام الله عليه)، هذا عمل فلان الفلاني من الآن إلى سنة، طبعًا ومن ورائه البداء حتّى في الروايات هكذا تقول. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع لما فيه خيرُ الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.
الاكثر قراءة في أخبار العتبة العباسية المقدسة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)