بحث دقيق في معنى المَوْلَى والأوْلَى
ينبغيّ أن نعلم أنّ كثيراً من مفسّري العامّة قالوا في تفسير الآية الواردة في سورة الحديد: {فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}:[1] إنّ المولى هنا بمعنى الأولى، أي: النار أولى بكم. ومن هؤلاء: الكلبيّ، والزجّاج، والفَرّاء، وأبو عُبَيْدَة.[2] وأبو عُبَيْدَة هو: مُعَمر بن مُثَنَّى البَصْريّ المتوفّى سنة 210 هـ. وبناءً على ما قاله كثير من أعلام العربيّة كالشريف المرتضى علم الهدى، والأخفش الأوَسط: سَعيد بن مسعدة، وابن قُتَيبَة، وثعلب: أحمد بن يحيى، وأبو بكر الأنباريّ، وشهاب الدين أحمد الخَفَاجيّ.
1- هذه البقرة البيضاء تضيء في أوّل الليل كاللؤلؤ البحريّ المنظّم في سلسلة واحدة، وها هي السلسلة قد انقطعت وتناثرت حبّاتها على الأرض، فهي تتلالا في نقاط مختلفة. وتنقل من مكان إلى مكان بيضاء متلالئة.
2- وهكذا إلى أن انجلى الظلام وخرجت في بياض الصبح مبكّرة فتزلّ قوائمها عن التراب النديّ، وهي تبحث عن ولدها.
3- وكانت في جزع دائم بسبب فقدان ولدها، وجاءت في مواضع الماء المرتفعة، وتردّدت في الصعائد سبع ليال بأيّامها علّها تتثف ولدها.
4- وتردّدت هذه البقرة كثيراً إلى أن يئست من ولدها، وصار ضرعها الممتلي لبناً خلقاً لانقطاع لبنها؛ ولم يبل ضرعها إرضاعها ولدها ولا فطامها إيّاه (و إنّما أبلاه حزنها على ولدها).
5- وأحسّت في هذه الحال صوت الناس فأفزعها ذلك بدون أن تشاهدهم، وإنّما سمعته عن ظهر غيب. ذلك أنّ الناس سقامها لأنهم يأخذونها ويصيدونها.
6- وخافت خوفاً شديداً حتّى أنها لا تعرف أي فرجة بين أطرافها أولى بالخوف، أمامها أو خلفها (أي: كان فزعها على درجة أنها لم تفهم جهة الخطر ومجيء الإنسان، بل كانت ترى الخطر محدقاً بها من جميع الجوانب).
وجاء في شرح المعلّقات عند شرح هذا البيت: قال ثعلب: إنّ المَوْلَى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء، كقوله تعالى: النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أي: هي الأوْلَى بِكُمْ. فيكون المعنى: فغدت البقرة وهي تحسب أنّ كلا فرجيها مولى المخافة.
أو أنّ الفَرْج (الفاصل بين ليدين والرجلين) هو موضع المخافة. فيكون المعنى: تحسب تلك البقرة أنّ كلّ فرج من فرجيها هو الأولى بالمخافة منه.[3]
أدرك لبيد الإسلام، وأسلم؛ وعمّر حتّى زمان عثمان، فكان أحد المعمّرين الطاعنين في السنّ. ومن ترجم له، ذكر أنّ عمره لم يقل عن مائة وعشر سنين. وقيل: بلغ مائة وسبع وخمسين سنة.
ومن الذين صرّحوا بأنّ معنى المولى في الآية: {هِيَ مَوْلاكُمْ}: الأولى: البُخاريّ، وأبو جعفر الطَبَريّ،[4] وأبو الحسن الواحديّ في «الوسيط»، وأبو الفرج بن الجوزيّ،[5] ومحمّد بن طلحة الشافعيّ،[6] وسبط بن الجوزيّ،[7] والتفتازانيّ في «شرح المَقَاصِد» نقلًا عن أبي عبيدة،[8] وابن الصَبَّاغ المالكيّ، والسيوطيّ، وغيرهم.
وذكر الشيخ المفيد في رسالة صنّفها في معنى المَوْلى، والشريف المرتضى علم الهدى في كتاب «الشافي» أنّ المَوْلَى بمعنى الأوْلَى. وفي ضوء هذا النهج استدلّوا على إمامة أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين.
وقال القوشجيّ في «شرح تجريد الاعتقاد» في شرح قول الخواجة نصير الدين: وَلِحَدِيثِ الغَدِيرِ المُتَوَاتِرِ في تقرير استدلال الشيعة: أحد معاني المَوْلَى، الأولى في التصرّف، قال الله: {مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ}، أي: أولَى بِكُمْ وذكر أبو عبيدة هذا المعنى؛ وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: أيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا يعني: بِغَيْرِ إذنِ الأوْلَى بِهَا وَالمَالِكِ لِتَدْبيرِ أمْرِهَا. ومثل هذا في الشعر كثير.
وبالجملة فإنّ استعمال المَوْلَى بمعنى المُتولّي، ومالك الأمر، والأوْلَى في التصرّف شائع في كلام العرب، ومنقول عن أئمّة اللغة. والمراد أنّ المَوْلَى اسم لهذا المعنى، لا صفة بمثابة الأولَى لئلّا يُعْتَرَض على أنّ المولى ليس اسم تفضيل، ولا يستعمل بمعنى التفضيل.
ولا بدّ أن يكون هذا المعنى هو المراد في حديث الغدير لكي يتطابق مع صدر حديثه صلّى الله عليه وآله: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ.
ولمّا كان القوشجيّ على مذهب العامّة، لذلك جهد في دفع الاستدلال بحديث الغدير، ولكن من جهات اخرى، لا من جهة معنى المولى الذي يعني في أحد معانية الأولى بالشيء.[9]
وقال الزمخشريّ في تفسير هذه الآية أيضاً: هي {مَوْلاكُمْ}. قيل: معناه أوْلَى بِكُمْ. واستشهد بشعر لُبَيْد، ثمّ قال: وَحَقِيقَةُ مَوْلَاكُمْ مَحْرَاكُمْ وَمَقْمَنُكُمْ أي مَكَانُكُمُ الذي يُقَالُ فِيهِ: هُوَ أوْلَى بِكُمْ كَمَا قِيلَ: هُوَ مَأنَّةُ الكَرَمِ أي مَكَانٌ لِقَوْلِ القَائِلِ: إنَّهُ الكَرِيمُ.[10]
وذكر البيضاويّ في تفسيره أيضاً عبارة الزمخشريّ نفسها واستشهد ببيت لُبَيْد؛ ومن الواضح أنّ البيضاويّ اقتبس من الزمخشريّ، لأنّ وفاة الزمخشريّ كانت في سنة 538، ووفاة البيضاويّ في سنة 791. وكلاهما احتمل أنّ المراد من المَوْلَى في الآية الشريفة: النَّاصِر. إلا أنّ كلّ واحد منهما جاء بمثال مستقلّ. فقال الزمخشريّ: ويجوز أن يكون المراد: هي نَاصِرُكُمْ، أي: لَا نَاصِرَ لَكُمْ غَيْرَهَا؛ والمراد نفي الناصر حتماً. كما يقولون: اصِيبَ فُلانٌ بِكَذَا فَاسْتَنْصَرَ الجَزَعَ؛ أي: ليس له معين غير الجزع. ويجري على هذا قوله تعالى: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ}.[11]
وقال البيضاويّ: أو أنّ معنى المولى الناصر على طريقة قول العرب: «تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ».[12]
وقال الخازن في تفسير الآية: هي {مَوْلاكُمْ}: أي وَلِيُّكُمْ. وقيل: هي أوْلَى بِكُمْ لِما أسلفتم من الذنوب في الدنيا. ويكون المعنى: النار تلى عليكم، لأنها ملكت أمركم، وأسلمتم إليها، فهي أولى بكم من كلّ شيء! وقيل: معنى الآية: لَا مَوْلَى لَكُمْ وَلَا نَاصِرَ، لأنّ من كانت النار مولاه، فلا مولى له.[13]
[1] الآية15، من السورة 57: الحديد.
[2] «تفسير الفخر الرازيّ» ج 8، ص 131.
[3] «شرح المعلّقات السبع» للزوزنيّ: شرح قصيدة لبيد بن ربيعة، الطبعة الحجريّة، ص 78. توفّي القاضيّ الزوزنيّ: الحسين بن أحمد شارح المعلّقات سنة 486.
[4] «تفسير الطبريّ» ج 9، ص 117.
[5] «تفسير ابن الجوزيّ»: «زاد المسير».
[6] «مطالب السَّئول» ص 16، الطبعة الحجريّة.
[7] «تذكرة خواصّ الامّة» ص 19، الطبعة الحجريّة.
[8] ص 288.
[9] «شرح تجريد القوشجيّ» الأوراق الثلاث عشرة الأخيرة من الكتاب، الطبعة الحجريّة.
[10] «تفسير الكشّاف» ج 2، ص 435، الطبعة الأولي في المطبعة الشرقيّة.
مَحْرَي وَ مَحْرَاة، و كذلك مَقْمَنْ وَ مَقْمَنَة، و مَمْأن و مَمْأنَةَ بمعني المَخْلَقة و المَجْدَرة. و إذا قيل: هُوَ مَقْمَنٌ أوْ مَحْرِيّ أو مَمْأنٌ لِكذَا يعني جديرٌ وَ خَلِيقٌ بِكَذا.
[11] الآية29، من السورة 18: الكهف.
[12] «تفسير الكشّاف» ج 2، ص 435، الطبعة الأولي في المطبعة الشرقيّة.
[13] تفسير «أنوار التنزيل و أسرار التأويل» للبيضاويّ، طبعة مكتبة الجمهوريّة المصريّة، ص 555.