قد علمنا أنّ كبار العلماء من العامّة قد ذكروها في كتب الحديث والتفسير كالطبريّ، وابن أبي حاتم، وأبي نعيم الإصفهانيّ، وأبي إسحاق الثعلبيّ، والواحديّ، والسجستانيّ، والنطنزيّ، والرسعنيّ، وابن مردويه، وابن عساكر، والحسكانيّ، وغيرهم بأسانيد متنوّعة عن كبار الصحابة وغيرهم كالبراء بن عازب، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ، وعمّار بن ياسر، وأبي ذرّ الغفاريّ، وسلمان الفارسيّ، وحذيفة اليمانيّ، وابن عبّاس، وأبي سعيد الخدريّ، وزيد بن أرقم، وأبي هريرة، وابن مسعود، وعامر بن ليلى بن ضمرة. والإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام. وروى الترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وأحمد بن حنبل وهم أئمّة السنّة الستّة في كتبهم أنّ الآية نزلت في الولاية.
وما جاء في بعض الكتب حول شأن نزول الآية، إذ أراد مؤلّفوها أن يحرفوا مصبّ الآية عن الولاية، وجوه ضعيفة، وروايات مرسلة ومقطوعة، وغير موثوقة؛ وكما قال المرحوم العلّامة الأمينيّ: «هي لا تعدو أن تكون تفسيراً بالرأي؛ أو استحساناً من غير حجّة؛ أو تكثيراً للَّغو أمام حديث الولاية، فتّاً في عضدها، وتخذيلًا عن تصديقها، وَيَأبَى اللهُ إلَّا أنْ يُتِمَّ نُورُهُ».[1]
وذكر الفخر الرازيّ، الذي تبدو ملامح التعصّب والامتعاض على عباراته، عشرة وجوه في شأن نزول الآية:
1- نزلت هذه الآية في قصّة الرَّجْم والقصاص ردّاً على مذهب اليهود.
2- نزلت في عيب اليهود واستهزائهم بالدين.
3- لمّا نزلت آية التخيير، وهي قوله: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً}. فلم يعرضها عليهنّ خوفاً من اختيارهنّ الدنيا.
4- نزلت في أمر زيد [بن حارثة] وزوجته زينب بنت جحش [ابنة عمّة رسول الله].
5- نزلت في الجهاد، فإنّ المنافقين كانوا يكرهونه فكان يمسك أحياناً عن حثّهم على الجهاد.
6- لمّا نزل قوله تعالى: «و لا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبو الله عدواً بغير علم»، سكت الرسول عن عيب آلهتهم أي [آلهة الثنويّين]، نزلت هذه الآية.
7- لمّا قال في حجّة الوداع بعد بيان المناسك والشرائع: هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نَعَمْ. قال: اللهُمَّ اشْهَدْ، نزلت الآية.
8- نزلت في أعرابيّ أراد قتله، وهو نائم تحت شجرة.
9- كان يهاب قريش واليهود، فأزال الله عن قلبه تلك الهيبة بالآية.
10- نزلت في قصّة غدير خمّ.[2]
ذكر الفخر الرازيّ هذه الوجوه، واعتبر قصّة الغدير الوجه العاشر منها، أي: آخر الوجوه؛ وقد رجّح الوجه التاسع منها بلا تعمّق متجاوزاً الموضوع بشكل خاطف. هذا وهو من العلماء، وكان مطّلعاً جيّداً على طرق الحديث الخاصّ بالغدير واستفاضته، وكان على علم بضعف الوجوه الاخرى وإرسالها؛ فلهذا نرى نظام الدين النيسابوريّ، وهو من مفسّري العامّة أيضاً، قد عدّ قصّة الغدير أوّل الوجوه، وأسنده إلى ابن عبّاس، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخُدريّ، والإمام الباقر عليه السلام. وعزا بقيّة الوجوه إلى «القِيل» الدالّ على ضعفها.[3]
والطبريّ الذي هو أقدم من هؤلاء لم يذكر تلك الوجوه في تأريخه، ولا في تفسيره؛ لكنّه ألّف كتاباً مستقلًّا في الولاية أخرج فيه حديث الولاية (مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ) بنيّف وسبعين طريقاً. وروى في هذا الكتاب نزول آية التبليغ في عليّ بن أبي طالب بإسناده عن زيد بن أرقم.
وما تمسّك به الفخر الرازيّ وأتباعه هو أنّ آية التبليغ جاءت في سورة المائدة بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب؛ فمن المناسب أنها نزلت في أهل الكتاب أيضاً.
هذا مع أنّ الذي يمتلك أدنى وعي للقصص القرآنيّ يعلم أنّ ترتيب الآيات في النزول غير ترتيبها في الذكر غالباً. وترتيب السور النازلة غير هذا الترتيب القائم في السور القرآنيّة؛ فالسور الاولى هي: الْعَلَق، والمُدَّثِّرْ، وَالْمُزَّمِّل، وَالْقَلَم، وسائر السور القصار، وهي مكّيّة. وآخر سورة هي سورة المائدة، وسورة النصر: {إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. وكثير من الآيات نزلت في مكّة وموضعها في السور المدنيّة وبالعكس.
قال السيوطيّ في «الإتقان»: الإجماع والنصوص المترادفة على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك؛ [و علينا أن نقرأ القرآن كما كتب]. أمّا الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركيش في «البرهان» وأبو جعفر بن الزبير في «المناسبات». وعبارة أبي جعفر: «ترتيب الآيات في السور واقع بتوقيف رسول الله صلّى الله عليه وآله، وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين». ثمّ ذكر نصوصاً على أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يلقّن أصحابه؛ ويعلّمهم ما نزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفنا، بتوقيف جبرئيل إيّاه على ذلك، وإعلامه عند نزول كلّ آية: أنّ هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا.[4]
وقد بيّنا مفصّلًا أنّ تهيّب رسول الله من اليهود والنصارى إمّا أن يكون في أوّل البعثة؛ أو بعد الهجرة بيسير، ولا يكون في آخر الهجرة حيث بلغ الإسلام ذروته في الشوكة والقوّة؛ وخُذل اليهود والنصارى واندحروا. وفرض الإسلام سطوته فهابته الامم آنذاك. وراسل نبيّنا الكريم امراء العالم وسلاطينه، ودعاهم إلى الإسلام.
وفي هذه الحالة، فلا معنى أن تكون آية التبليغ الواردة في سورة المائدة (آخر سورة نزلت على النبيّ الأكرم) قد نزلت في اليهود والنصارى. قال القرطبيّ في تفسيره: هي [سورة المائدة] مدنيّة بإجماع. ثمّ نقل عن النقّاش نزولها في السنة السادسة (عام الحُدَيبيّة)،[5] وأتبع ذلك بالنقل عن ابن عربيّ [بأنّ] هذا حديث موضوع لا يحلّ لمسلم اعتقاده.[6] وفي ضوء ذلك، فإنّ مجرّد ورود الآية بين الآيات المتعلّقة بأهل الكتاب لن يكون له أثر في التمسّك من حيث البرهان والدليل العلميّ.
ويستبين ممّا ذكرنا أيضاً أنّ ما أخرجه القرطبيّ واهٍ لا أساس له.
وقد قال: جاء عن ابن عبّاس أنّ أبا طالب كان يرسل كلّ يوم مع رسول الله صلّى الله عليه وآله رجالًا من بني هاشم يحرسونه، حتّى نزلت [هذه الآية]: {وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}. [فأراد أن يرسل معه من يحرسه] فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: يَا عَمَّاهُ! إنَّ اللهَ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ! وقال القرطبيّ: صحّة هذا الحديث تستدعي أن تكون الآية مكّيّة؛ وهذه الآية مدنيّة.[7]
وهذا الحديث أضعف من أن يقاوم الأحاديث المتقدّمة والإجماع ونصوص المفسّرين. يضاف إلى ذلك، أننا نرى بالبداهة كم لاقى رسول الله من المصائب وصنوف الأذى والاضطهاد من أمثال هؤلاء.
[1] «الغدير» ج 1، ص 226. الطبعة الثانية، مطبعة الحيدريّ بطهران.
[2] الآية28، من السورة 33: الأحزاب.
[3] «تفسير غرائب القرآن» ج 6، ص 129 و 130. الطبعة الاولي 1381 هـ.
[4]«الإتقان» الطبعة الاولي، مصر، في سنة 1278 هـ، ج 1 ص 75.
[5] يسمّي العام السادس من الهجرة بعام الحُدَيْبِيَّة لوقوع صلح الحديبيّة فيه.
[6] «تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 30. طبعة دار الكاتب العربيّ 1387 هـ.
[7] «تفسير القرطبيّ» ج 6، ص 244.