

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
الأشياء التي كانت تُدْفَنُ مع الحيوان المقدس
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج16 ص 550 ــ 556
2026-01-02
31
لما كان حيوان المعبد المقدس يعتبر في نظر المصري القديم — بعد موته — مثل الإله «أوزير»، إذ كان تُقَامُ له شعائر كالتي كانت تقام لأي مصري من علية القوم بعد وفاته؛ فقد كان الأخير بدوره يعتبر «أوزير» في عالم الآخرة، وذلك منذ ظهور الديموقراطية في عالم الآخرة بعد الثورة الاجتماعية التي اندلع لهيبها في العهد المتوسط الأول من تاريخ أرض الكنانة؛ أي بعد سقوط الدولة القديمة. وتدل كل الظواهر على أن العجل «أبيس» كانت تقام له كل المراسيم التي كانت تقام لعظيم من علية القوم؛ فكانت توضع في قبره كل الأدوات التي كانت تلزم له في عالم الآخرة مثل التماثيل المحيبة وغيرها من التمائم، كما كان يُعْمَلُ له حفل فتح الفم. وسنتحدث عن ذلك فيما بعد.
أما الحيوانات التي كانت من نوعه أو بعبارة أخرى من فصيلة الحيوان الإله المقدس في داخل المعبد فقد كانت تُعْمَلُ لها مثل هذه الشعائر، ولكن بدرجة أقل؛ لأنها لم تكن حيوانات تقمصتها آلهة مثل إله المعبد المقدس؛ يُضاف إلى ذلك وقبل كل شيء أن الإله الذي يُعبد في المعبد كان قد تجسد في واحد منها، ومن أجل ذلك كان يُعنى بهذه الحيوانات، كما إنه كان محرمًا ذبحها، ولا تُقدم لحومها قربانًا، ومن أجل ذلك أيضًا كان عقاب من يتعدى على واحد منها هو الموت.
ومن المؤكد أنه فيما يتعلق بالحيوانات التي كانت من نوع حيوان المقاطعة الرئيسي؛ كانت التشديدات للمحافظة عليها كبيرة، غير أنه كان يُكتفى أحيانًا بتوقيع غرامة على من يلحق بها أضرارًا وحسب. وإذا حدث أن ذُبح حيوان من هذه الحيوانات المقدسة بسبب وقوع كارثة عامة أو لأي سبب ديني، فإن ذلك يكون داعيًا لإثارة غضب الحيوان الإله بطبيعة الحال، ومن أجل ذلك كان على المرء أن يسعى لإصلاح مثل هذه الخطيئة أو الإثم، إما بدفن الحيوان المجني عليه بعناية، أو بتقديم ذبيحة بمثابة قربان له (راجع قصة الأخوين في هذا الصدد في كتاب الأدب المصري القديم ص91–99). ففي الحالة الأولى كان من المستطاع بوجه خاص فيما يتعلق بالحيوانات التي من النوع الكبير الذي يقدس في المعبد مثل التماسيح أو الثعابين؛ أن يطبق عليها ذلك، فنرى مثلًا في موميات التماسيح التي لا حصر لها أن التي حُنطت منها هي التي كانت قد اصْطِيدَت، غير أن هذا الرأي يعارضه بعض الباحثين. والرأي الذي أجمع عليه الكتاب القدامى هو أنه لم تحدث أبدًا مطاردة للتماسيح التي من فصيلة التمساح المتقمص، يُضاف إلى ذلك أن لحم هذا الحيوان المقدس كان محرمًا (1).
وخلافًا لهذه العناية السالفة الذكر فإن الإنسان بوجه عام لم يكن يهتم كثيرًا بهذه الحيوانات المقدسة؛ إذ لم يحسب حساب ما كان يصيبها من أذى على يد الإنسان من أخطار أو من المقاطعات المعادية، أو من الحيوانات الأخرى، أو من العوامل الطبيعية مثل الفيضان أو النار؛ وذلك لأنه كان لزامًا أن تُحْمَى من الأذى، يُضاف إلى ذلك المحافظة عليها في مواسم القحط التي كانت تنتاب البلاد من وقت لآخر. وفي الأحوال المواتية كانت أنواع الحيوانات المقدسة المعتنى بأمرها لا بد أن تتكاثر، وعلى ذلك كانت أرض مصر المنبسطة والقرى وحتى المدن تزخر بأعداد كثيرة منها، وبخاصة القطط والبقر والأغنام والحيوانات البرية والنسور والصقور وأبو منجل … وغيرها من الحيوانات والطيور. هذا، ولم تكن مصر مغمورة كثيرًا بالحيوانات؛ ويرجع السبب في ذلك إلى الفيضان السنوي الذي كان يقضي على الكثير منها فيطغى عليها. يضاف إلى ذلك العداوة التي كانت بين أنواع الحيوانات، وأخيرًا التناقض الذي كان يُشَاهَد في تقديس الحيوانات في المقاطعات المختلفة.
والعلاقات التي كانت بين الحيوان المؤله والحيوان المقدس يمكن الإنسان أن يتصورها كما يتصور ملكًا على رأس مملكة. فالحيوان الإله هو ملك نوعه؛ إذ كان هو الذي يهتم بحيوانات نوعه ويحميها، وكان هو الذي يأخذ لها بالثأر عند الحاجة، وهذا الانتقام كان هو الذي يأخذه بنفسه وينفذه، أو كان يطلب مساعدة أفراد نوعه للانتقام للحيوان الذي أصابه الضر، وتدل شواهد الأحوال على أن الحيوان المؤله كان يظهر بوصفه ملك نوعه، ويشاهد ذلك في كثير من الأحوال في صورة سلسلة من الحيوانات المقدسة المؤلفة من نفس النوع يسير الواحد منها تلو الآخر. وفي هذه الحالة يلحظ أن أول حيوان في السلسلة هو الذي كان قد تقمصه الإله، أما سائر الحيوانات الأخرى في السلسلة فهي عشيرته التي نبع منها هذا الحيوان المؤله. وتظهر نفس هذه الفكرة عندما نشاهد في معبد صقر مؤله عدة صقور أخرى انتخب من فيها. ففي المعبد — في الواقع — كان يوجد صقر واحد يتقمصه الإله «حور»، وكذلك كانت الحال في معبد فيه الأسد يتقمصه الإله، توجد عدة أسود تأوي فيه (2).
ويلحظ تفضيل نوع من الحيوان المقدس على الحيوانات العادية التي تقدس أيضًا من فحص جثتها؛ وذلك أن جثث الحيوانات المقدسة يجب ألا تتحلل، ومن ثم يكون مصيرها إلى الفناء؛ بل يجب أن تبقى محفوظة حتى يمكن أن تسكن إليها أرواحها، وبذلك تبعث بعد الموت، ومن أجل ذلك كان لا بد من المحافظة عليها بالتحنيط، وكان الإنسان في مثل هذه الحالة يكتفي بتحنيطها بأبسط الطرق، ولكنه يلحظ أن معظم الموميات التي توجد بكميات كبيرة مدفونة في حفر الكهوف، كان حفظها رديئًا جدًّا لدرجة أنه كان من الصعب أحيانًا تحديد نوعها.
وعلى أية حال كان من واجب رجال المعبد القيام على تحنيط حيوانات النوع الذي منه حيوانهم المعبود بالمعبد، وكان القصد من هذا التحنيط أن تعود إلى سيرتها الأولى في عالم الآخرة.
وقد دلت المشاهدات على أن عدم الاهتمام البالغ بأمر هذه الحيوانات لم يقتصر على التحنيط؛ بل كذلك لوحظ نفس عدم الاهتمام فيما يتعلق بشئون دفنها، فلم يُنْفَقْ على ذلك مال كثير؛ بل كانت تدفن بالجملة في كهوف جماعية، وكثيرًا ما لجأ الإنسان في مثل هذه الحالة اقتصادًا في النفقات كما يقول المؤرخ والأثري «فيدمان» (3) إلى دفنها في كهوف صنعتها الطبيعة في الجبال أو في مقابر كانت في الأصل مقامة لأفراد من الشعب غير أنها عفا عليها الدهر ونُهبت وأصبحت خاوية على عروشها فأفاد منها الكهنة. والواقع أنه في مثل هذه المقابر كان يكدس الكهنة جثث الحيوانات المحنطة بالمئات والآلاف، ومعظم هذه المقابر كان يحتوي كل منها على نوع خاص من الحيوان، والأمثلة على ذلك كثيرة فلدينا كهف الطائر «أبيس» (أبو منجل) الذي كُشِفَ عنه منذ زمن بعيد في «سقارة»، وكذلك كهف التماسيح الهائل الذي كشف عنه في «منفلوط»، ومقبرة القرود التي كشف عنها في «طيبة».
على أنه قد كُشِفَ في أماكن أخرى مدافن حيوانات مقدسة كدست فيها جثث الحيوانات المحنطة دون مراعاة إذا كان كل نوع واحد قد دفن في كهف بعينه أو في جبانة واحدة مخصصة لهذا النوع.
يُضاف إلى هاتين الطبقتين من الحيوانات أي الحيوانات المقدسة للمعبد وهي التي كان يتقمصها إله المعبد الكبير، والحيوانات المقدسة التي من نوعها؛ طبقة ثالثة وهي الأخيرة كما أكد لنا «فيدمان» ذلك، وقد عزز رأيه ما جاء على لسان بعض الكتاب الإغريق، وكذلك ما جاء على الآثار الباقية نفسها. وقد سمى «سوردي» Sourdille هذه الطبقة من الحيوانات اﻟ «فتش» (4). ومن بين الحيوانات توجد بعض أمثلة تعتبر بمثابة نوع مقدس. وحيوانات هذا النوع تابعة كذلك لحيوان المعبد المؤله، غير أنها كانت تُرَبَّى في البيوت الخاصة وتقدس عند أصحابها. وهذه العادة كانت منتشرة بوجه خاص بين الطبقة الدنيا من أفراد الشعب؛ وقد أشار إلى ذلك الكتاب الإغريق فيما كتبوه عرضًا. وأهم الحيوانات التي من هذا القبيل القطط وأولاد آوى والصقور والثعابين، ومن جهة أخرى حدثتنا الآثار عن تقديس الطبقة الدنيا من الشعب للقردة وأبو منجل والبجعة والإوز … وقد حدثنا «سوردي» بوجه خاص عن عبادة البجعة والقطط (راجع Sourdille Ibid. p. 235) كما جاء ذكر ذلك على اللوحتين 134 و110 المحفوظتين بمتحف «تورين»، وكذلك فيما تعلق بالثعابين التي كانت تقدم لها القربات كما نشاهد ذلك مصورًا على جدران المقابر، غير أن هذه الحيوانات، والحشرات لم تكن تعد من التي يتقمصها إله؛ بل كانت تعتبر حيوانات مقدسة وحسب، ويجوز أن هذه كانت حقيقة لا مراء فيها، وبخاصة عند الطبقة الدنيا من الشعب؛ فمن المحتمل أن الحيوان نفسه كان يمثل الإله ذاته، ولكن لم تكن هذه الفكرة هي السائدة؛ إذ نجد غالبًا على لفافات موميات لحيوانات — مثل التي كانت تحفظ في البيوت — صلوات حيوانات لآلهة، وهذه الآلهة على حسب عبادة الحيوانات الرسمية في المعبد كانت تتجسد في هذا النوع، ومن أجل ذلك يجب على الإنسان ألا ينظر إلى هذه الحيوانات التي كانت تربى في البيوت ويقدسها أصحابها بأنها لا تكون متقمصة إلهًا إلا نادرًا، وكان على الإنسان أن يعول مثل هذه الحيوانات ويقدسها فقط بوصفها أنموذجًا من نوع الإله الذي يسكن في المعبد، وذلك لأجل إرضائه ونيل محبته، وقد انحدرت إلينا عادة تقديس بعض هذه الحيوانات منذ أقدم العهود مثل القطة والثعبان وغيرهما، والظاهر أنه في حالة موت صاحب الحيوان كان يقتل الأخير ويحنط ويدفن مع سيده، وقد راجت بسبب ذلك، العقيدة والأمل معًا بأن مومية الحيوان الذي من هذا النوع ستعود للحياة كرة أخرى مثل البشر، وبذلك يمكن أن يكون هذا الحيوان للإنسان في عالم الآخرة كما كان له في عالم الدنيا بوصفه حيوانًا محببًا للإله الذي يعبده، ويتقي نفعه ويخشى ضره، وأمثال هذه الحيوانات كانت تحفظ في أقفاص، ويقدم لها الغذاء والشراب، وقد وجد منها بعض أمثلة قليلة في المقابر، ومما يلفت النظر بوجه خاص في خاتمة هذا الموضوع أن الإنسان كان قد آوى في بيته نوعًا خاصًّا من القردة الهادئة متجنبًا كل الأنواع التي كانت جامحة أو تنذر بالخطر، ومن ثم اختار نوعًا هادئًا وهو المعروف بالقرد الأخضر، ولا تزال هذه العادة متبعة في مصر حتى يومنا هذا.
أما عبادة أهم حيوانات كانت تتقمصها آلهة: فهي الثور «أبيس» والثور «منيفيس» والتيس «منديس»، وهذه يرجع تقديسها وعبادتها إلى أقدم عصور التاريخ — كما سنرى بعد — وقد ظلت عبادة الحيوان منذ ذلك العهد القديم حتى أفول نجم الوثنية، وقد بقيت العبادة تحتل المنزلة الأولى عند الطبقة الدنيا من الشعب المصري، في حين أن الذين كانوا يعبدون الآلهة في المعابد بصورة روحية قد استمروا في عبادتهم هذه بجانب أولئك الذين كانوا يعبدون الحيوان بصورة ساذجة مما جعل الأمر يختلط ويصبح معقدًا، ومن أجل ذلك نلحظ أن الكتابة التي كانت تدون على جدران المعابد لا تحدثنا عن ذلك إلا نادرًا، ويقول «فيدمان» (Ibid. p. 17): وهذه الكتابات تبحث في عقائد الجنب السامي والثري من الأهلين، وفي جانب ذلك نجد أن آراء الطبقة الفقيرة من الشعب لا تكاد تذكر، وهذه كانت الحالة بوجه خاص في خلال العصر الذهبي للدولة القديمة حتى عام 1000ق.م ويمكن للإنسان إذا ألقى نظرة إلى الوراء أن يعزي بحق العصر الذهبي لآلهة البلاد العظام، وهم «آمون» و«بتاح» و«منتو»، ففي هذا العهد ظهرت عبادة الحيوان غير أن الأحوال لم تكن مواتية تمامًا لعبادة العجل «أبيس» و«الكبش».
وقد برهنت الحوادث على أن عبادة الكبش الذي كان يتقمصه الإله «آمون» في خطر مداهم؛ إذ في ذلك العهد، ظهر الانقلاب الديني الذي قام به «إخناتون» وهو ذلك الانقلاب الذي ظهرت بوادره منذ عهد «تحتمس الرابع» فقد قضى على كل عبادة أخرى عدا عبادة القوة العظيمة التي كانت تكمن وراء قرص الشمس «آتون» وهو الذي كان يرمز به للمذهب الجديد الذي اعتنقه «إخناتون» (1375-1358ق.م). وهذا المذهب الديني الجديد قد قضى على عبادة الحيوان وغيرها من العبادات بصورة قاطعة. غير أن الإصلاح الديني الذي قام به «إخناتون» قد قُضِيَ عليه بعد موته تقريبًا، وعلى أثر ذلك أخذت عبادات القوم القديمة تظهر ثانية وتترعرع، وكذلك أخذت عبادة الحيوان تنبعث من مرقدها، وتنتشر على الأقل بين طبقات الشعب الدنيا، واستمرت تنمو بشدة وقوة.
وفي العام المائة بعد السنة الألف قبل الميلاد أخذ هذا التيار الذي ظهر بين عامة الشعب يزداد ويتقدم في سيره؛ ويرجع السبب في ذلك إلى الأحداث التي كانت تمر بها البلاد في تلك الفترة من تاريخها. ففي الفترة التي تقع تقريبًا ما بين 1000 حتى 500ق.م وقعت الحروب الطاحنة التي نشبت بين مصر والبلاد الأجنبية التي كانت تطمع في التسلط عليها. ففي تلك الفترة حاربت مصر بلاد «كوش» ومملكة «آشور» ومملكة «بابل»، وهذه الحروب كانت جميعها — بكل أسف — وبالًا على مصر وعلى أهلها؛ ولقد كان من جرَّاء ذلك أن المصريين الذين كانوا يعتقدون في آلهتهم أنهم ناصروهم على الأعداء في كل الميادين التي يخوضون غمارها؛ قد أخذت عقيدتهم فيهم تتزعزع. وقد كان من جراء ذلك أن أصاب أهل مصر الفقر والعوز، ومن ثم أخذوا يظهرون عدم الاهتمام نحو آلهتهم؛ بل على العكس أظهروا البرود التام، وفي الوقت نفسه أخذ أتباع هؤلاء الآلهة يقلون شيئًا فشيئًا، ومن ثم هُجِرَت المعابد، وأخذت تئول إلى الخراب.
وفي هذه الفترة أخذ الأشراف والأثرياء والمتعلمون من الشعب يطلبون الحماية والغوث من الحيوانات المؤلهة التي كان يمجدها الشعب، وهي التي كانت في حوالي العام الألف قبل الميلاد يتضرع إليها الفلاح في حقله والرجل المتوسط الحال في مرضه فساعدته في محنته، وأظهرت عطفها وحدبها عليه. والآن وفي تلك الأيام العصيبة المليئة بالمحن أخذ كبراء القوم وصغارهم على حد سواء في جميع أنحاء البلاد يتضرعون إلى هذه الآلهة؛ لتسبغ على مصر السلام، وتمنحها الخلاص.
وتدل المعلومات التاريخية التي في متناولنا على أن العصر الذهبي لعبادة الحيوان قد وقع في عهد النهضة، وهو الذي يدعى العهد الساوي؛ أي في حوالي عام 750ق.م؛ وذلك عندما قامت نهضة في مصر على الأجانب الذين كان لهم تأثير ظاهر في الحقل الديني، وذلك أن الأجانب الذين كانوا ينتمون إلى سلالات متعددة، وهم الذين كانوا قد اقتحموا الديار المصرية وقتئذ، وجلبوا معهم آراءهم الدينية الخاصة بهم، كما جلبوا معهم طرق تعبدهم لتلك الآلهة التي جاءت معهم؛ كانوا في كثير من الأحوال لا يمانعون في محاولة إيجاد نوع من التوحيد بين آلهتهم وبين آلهة المصريين، ومن أجل ذلك نجد أن كثيرًا من الآلهة الإغريقية قد وُحِّدَ بآلهة من المصريين، كما نجد بعض الآلهة الأسيوية قد ارتدى لباس آلهة مصرية، وأصبح يُعْبَد على الطريقة المصرية، ولكن كان يحمل الاسم الأسيوي أو المصري على حسب الأحوال. وقد شجع الحكام المصريون هذا التوحيد بين الآلهة المصرية والآلهة الأجنبية؛ وذلك تيسيرًا للسياسة التي كانوا ينتهجونها في تلك الفترة من تاريخ أرض الكنانة. ولا غرابة في ذلك؛ فقد كان ملوك البطالمة في تلك الفترة يعملون كل ما في وسعهم للتأليف بين قلوب الشعب وقلوب الجنود المرتزقين الذين كانوا يعملون في جيش البطالمة، وهم الذين بدونهم لم يكن للبطالمة عيش في مصر. هذا فضلًا عن أنهم كانوا في الوقت نفسه يريدون إرضاء المصريين بأية وسيلة؛ لأنهم هم الذين كانوا يفلحون الأرض، ويديرون المصانع، ويقومون بكل الأعمال التي تأتي بالخير الغزير والمال الوفير لملوك البطالمة. ومن أجل ذلك كان أي شقاق بين المصريين وبين الأجانب معناه إفقار أسرة البطالمة. وفي مقابل هذه المحاولات التي كان يقوم بها البطالمة لحسن سير الأمور نجد أن عبادة الحيوان كانت بطبيعة الحال الحركة المعاكسة لذلك؛ وذلك لأنها كانت تناقض أحاسيس أهل «آسيا الصغرى» وقوم الفرس، وكذلك لا تتفق مع عقائد اليونان ولا الديانة اليهودية، ومن ثم كانت عبادة الحيوان هذه عقبة كأداء في وجه أية محاولة للتوحيد بين الأجانب والمصريين من الوجهة الدينية، ومن أجل ذلك بقيت عبادة الحيوان العلامة المميزة لمصر الحقيقية، وقد ظلت تزداد في نموها بوصفها فكرة فلسفية إلى أن تلاشت أمام عبادة الله الواحد الأحد التي أخذت مكانتها في مصر.
وهكذا حدث أن الديانة المصرية القديمة قد قُضِيَ عليها بوصفها العقيدة القديمة لديانة سامية كان لا بد من تلاشيها؛ وفي حين نجد أن الآلهة العظام الذين كانوا يُعْبَدُون في وادي النيل قد هوى الواحد منهم تلو الآخر تدريجًا؛ نجد أن تقديس الحيوان قد ظل باقيًا، ولا أدل على ذلك من أن سلسلة من هذه الحيوانات التي كانت تُحْتَرم بوصفها آلهة لا تزال حتى عهدنا الحاضر يُنْظَر إليها في وادي النيل بعين الرعاية، ويُحافُظ عليها، ويُعْتَنَى بأمرها. فالثعبان في مصر موضع رهبة عامة الناس، وكذلك الثور يُحترَم في بعض الأماكن، وأخيرًا تحتل القطة مكانة سامية في نفوس الكثير من سكان وادي النيل.
...........................................................
1- راجع: Pseudo-Klem. Rom. Recogn. X, 27.
2- راجع: Alter Orient XIV, I, P. 24.
3- راجع: Wiedemann Alter Orient XIVI, I, p. 24 f.
4- لقد اختلفت الآراء في معنى كلمة فتش fetish. وهذه الكلمة كان قد أدخلها البرتغاليون الذين كانوا أول من اتجر مع الإفريقيين على ساحل إفريقيا الاستوائي، وقد رأوا الإفريقيين يلبسون تعاويذ وتمائم، فأطلقوا عليها كلمة feticio ومعناه الشيء الذي صنعته يد الإنسان، وبعد ذلك انتقلت هذه الكلمة إلى الفرنسية والإنجليزية. غير أن هذه الكلمة قد اسْتُعْمِلَتْ بمعاني عدة حتى أصبحت لا تدل على شيء معين بذاته (راجع: Geoffry Parrindes, African Traditional Religon, P. 75 ff) حيث تجد بحثًا عن تقلبات معنى هذه الكلمة.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)