

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
تفسير الآية التي تبيّن حرمة النسيء
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج/6ص134-154
2026-01-01
36
لنسيء[1] مصدر كالنذير والنكير من نَسَأ الشَيْءَ يَنْسَؤُهُ نَسْأ ومَنْسَأةَ وَنَسيئاً: إذا أخَّرَهُ تَأخِيراً.
يقول الشيخ الطبرسيّ: وكانت العرب تحرم الشهور الأربعة [رجب، وذي القعدة، وذي الحجّة، ومحرّم] وذلك ممّا تمسّكت به من ملّة إبراهيم وإسماعيل [عليهما السلام] وهم كانوا أصحاب غارات وحروب، فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، فكانوا يؤخّرون تحريم المحرّم إلى صفر فيحرّمونه، ويستحلّون المحرّم فيمكثون بذلك زماناً، ثمّ يُؤوَّل التحريم إلى المحرّم، ولا يفعلون ذلك إلّا في ذي الحجّة.
قال الفرّاء: والذي كان (يقوم به) رجل من كَنَانَة يُقال له: نُعَيْم بن ثَعْلَبَة. وكان رئيس الموسم [في الحجّ] فيقول: أنا الذي لا اعاب ولا اخاب ولا يردّ لي قضاء! فيقولون: نعم صدقت! أنسئنا شهراً! أو أخّر عنّا حرمة المحرّم! واجعلها في صفر! وأحلّ المحرّم! فيفعل ذلك.
والذي كان ينسأها حين جاء الإسلام: جُنَادَة بن عَوْف بن امَيَّة الكَنَانِيّ، قال ابن عبّاس: وأوّل من سنّ النسيء: عَمْرُو بْنُ لَحَى بن قُمَعَة بن خِنْدِف. وقال أبو مسلم بن أسلم: بل رجل من بني كنانة، يقال له: القَلَمَّس، كان يقول: إنّي قد نسأت المحرّم العام، وهما العام صَفَران. فإذا كان العام القابل قضينا فجعلناهما محرّمين. قال شاعرهم: وَمِنّا نَاسِيُ الشَّهْرِ الْقَلَمَّس وقال الكُمَيْت: وقال مُجَاهِد: كان المشركين يحجّون في كلّ شهر عامين. فحجّوا في ذي الحجّة عامين، ثمّ في المحرّم عامين، ثمّ حجّوا في صفر عامين. وكذلك في الشهور حتّى وافقت الحجّة التي قبل حجّة الوداع في ذي القعدة. ثمّ حجّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في العام القابل حجّة الوداع، فوافقت في ذي الحجّة، فذلك حين قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وذكر في خطبته: "ألَا وإنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ؛ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً مِنْها أرْبعة حُرُمٌ، ثَلَاثةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدَةِ وذو الْحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ ورَجَبُ مُضَرُّ الذي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ."
أراد [صلّى الله عليه وآله وسلّم] الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها، وعاد الحجّ إلى ذي الحجّة، وبطل النسيء.[2]
وقال صاحب «تفسير أبي السُّعُود» بعد ذكره الأشهر الحرم، وخطبة رسول الله في حجّة الوداع، وقوله: "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ. وإنَّ الشُّهُورَ اثْنَا عَشَرَ شهراً" والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحلّ والحرمة. وعاد الحجّ إلى ذي الحجّة بعد ما كانوا أزالوه عن محلّه بالنسيء الذي أحدثوه في الجاهليّة. وقد وافقت حجّة الوداع ذا الحجّة. وكانت حجّة أبي بكر قبلها في ذي القعدة.[3]
ومثل هذا التفسير المذكور في «مجمع البيان» وتفسير «أبي السُّعود» يلاحظ في أغلب التفاسير؛ وخلاصة ما نستنتجه هو أنّ تغييرين كانا يحصلان عند عرب الجاهليّة: الأوّل: تغيير الأشهر الحرم بتحويلها من وقت لآخر، كما في تحويل المحرّم إلى شهر صفر؛ والثاني: تغيير في الحجّ، يرفع الحجّ به من ذي الحجّة فيقع في شهور اخر، يدور فيها، حتّى يعود ثانية إلى محلّه الأصليّ. ويطلق على هذين التأخيرين: النَّسِيء.
والشاهد على التغيير الأوّل، أي تغيير حرمة الأشهر الحرم إلى شهور اخرى أحاديث وروايات متنوّعة:
فقد جاء في تفسير «الدرّ المنثور» قوله: أخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن عمر، قال: وَقَفَ رَسُولُ اللهَ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ بِالْعَقَبَةِ، فَقَالَ: "إنَّ النَّسيءَ مِنَ الشَّيْطَانِ زِيَادَةٌ في الْكُفْرِ، يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ يُحِلُّونَهُ عَامًا ويُحَرِّمُونَهَ عَامًا؛ ويُحَرِّمُونَ صَفَرَ عَامًا ويَسْتَحِلُّونَ الْمُحَرَّمَ وهُوَ النَّسِيءُ".[4]
وذكر أيضاً في «الدرّ المنثور» أنّ ابن جرير، وابن منذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أخرجوا عن ابن عبّاس أنّه قال: كَانَ جَنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ الْكِنَانِيّ يُوفِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ، وكَانَ يُكَنَّى أبَا ثُمَادَةً، فَيُنَادِي: ألَا إنَّ أبَا ثُمَادَةَ لَا يَخَافُ ولَا يُعَابُ؛ ألَا إن صَفَرَ الأوّلَ حَلَالٌ.[5]
وَكَانَ طَوائِفُ مِنَ الْعَرَبِ إذَا أرَادُوا أنْ يُغيرُوا على بَعْضِ عَدُوِّهِمْ أتَوْهُ فَقَالُوا أحِلَّ لَنَا هَذَا الشَّهْرَ- يَعْنُونَ: صَفَرَ- وكَانَتِ الْعَرَبُ لَا تُقَاتِلُ فِي الأشْهُرِ الْحُرُمِ، فَيُحِلّهُ لَهُمْ عَامًا ويُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ في الْعَامِ الآخَرِ. ويُحَرِّمُ الْمُحَرَّمَ في قَابِلٍ لِيُواطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ، يَقُولُ: لِيَجْعَلُوا الْحُرُمَ أرْبَعَةً غَيْرَ أنَّهُمْ جَعَلُوا صَفَرَ عَاماً حَلَالًا وعاماً حَرَاماً.[6]
وفيه أيضاً: أخرج ابن منذر عن قتادة في الآية: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ} قال: عَمَدَ انَاسٌ مِنْ أهْلِ الضَّلَالَةِ فَزَادُوا صَفَرَ في الأشْهُرِ الْحُرُمِ. وكَانَ يَقُومُ قَائِمُهُمْ في الْمَوْسِمِ، فَيَقُولُ: إنَّ آلِهَتَكُمْ قَدْ حَرَّمَتْ صَفَرَ، فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ الْعَامَ، وكَانَ يُقَالُ لَهُمَا: الصَّفَرَانِ.
وَكَانَ أوَّلَ مَنْ نَسَأ «النَّسِيءَ» بَنُو مَالِكٍ مِنْ كِنَانَةَ، وكَانُوا ثَلَاثَةً: أبُو ثُمَامَةَ صَفْوَانُ بْنُ امَيَّةَ، أحَدُ بَني فَقِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، ثُمَّ أحَدُ بَنِي كِنَانَةَ.[7]
وفيه أيضاً: أخرج ابن أبي حاتم عن السدّيّ في الآية الشريفة، قال: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ: جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ يُكَنَّي أبَا امَامَةَ يُنْسِئُ الشُّهُورَ؛ وكَانَتِ الْعَرَبُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ لَا يُغِيرُ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ، فَإذَا أرَادُوا أنْ يُغَيِّرَ على أحَدِهِمْ قَامَ يَوماً بِمِنَى فَخَطَبَ فَقَالَ: إنّي قَدْ أحْلَلْتُ الْمُحَرَّمَ وحَرَّمْتُ صَفَرَ مَكَانَهُ. فَيُقَاتِلُ النَّاسُ في الْمُحَرَّمِ، فَإذَا كَانَ صَفَرُ عَمَدُوا ووَضَعُوا الأسِنَّةَ ثُمَّ يَقُومُ في قَابِلٍ فَيَقُولُ: إنّي قَدْ أحْلَلْتُ صَفَرَ وحَرَّمْتُ الْمُحَرَّمَ فَيُواطِئُوا أرْبعة أشْهُرٍ فَيُحِلُّوا الْمُحَرَّمَ.[8]
وجاءت فيه روايتان اخريان بتخريج ابن مردويه، عن ابن عبّاس، وهما تفسّران الآية الشريفة على نفس النسق.[9]
والشاهد على التغيير الثاني، أي: تغيير وقت الحجّ من موعده المحدّد إلى موعد آخر، ودورانه في جميع شهور السنة، ليرجع مرّة اخرى إلى ذي الحجّة، فيتمّ بذلك دورته، روايات وأحاديث مأثورة: فقد جاء في «الدرّ المنثور»: أخرج الطبرانيّ، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: كَانَتِ الْعَرَبُ يُحِلُّونَ عَاماً شَهْراً، وعَاماً شَهْرَيْنِ، ولا يُصيبُونَ الْحَجَّ إلَّا في كُلِّ سِتَّةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مَرَّةً، وهُوَ النَّسِيءُ الذي ذَكَرَ اللهُ تعالى في كِتَابِهِ.
فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْحَجِّ الأكْبَرِ ثُمَّ حَجَّ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الأهِلَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآله وسَلَّمَ: "إنَّ الزَّمَانَ قَدر اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ".[10]
وجاء فيه أيضاً: أخرج أحمد بن حنبل، والبخاريّ، ومُسْلم، وأبو داود، وابن منذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقيّ في كتاب «شعب الإيمان» عن أبي بكرة قال: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ في الحَجِّ، فَقَالَ: "ألَا إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَار كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وذُو الْحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرُ الذي بَيْنَ جُمَادي وشَعْبَانَ".[11]
وورد فيه أيضاً: أخرج البزّاز، وابن جرير، وابن مردويه عن أبي هريرة بهذا المضمون.[12] وأخرج ابن جرير، وابن منذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عمر.[13] وأخرج ابن منذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عبّاس.[14]
وجاء فيه أيضاً: أخرج عبد الرزّاق، وابن منذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مُجَاهِد أنّه قال في تفسير الآية: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ}: فَرَضَ اللهُ الْحَجَّ في ذِي الْحِجَّةِ وكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُسَمُّونَ الأشْهُرَ: ذُو الْحِجَّةِ والْمُحَرَّمُ وصَفَرُ ورَبِيعٌ ورَبِيعٌ وجُمَادي وجُمَادي ورَجَبُ وشَعْبَانُ ورَمَضَانُ وشَوَّالُ وذُو الْقَعْدَةِ وذُو الْحِجَّةِ ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ.
ثُمَّ يَسْكُتُونَ عَنِ الْمُحَرَّمِ فَلَا يَذْكُرُونَهُ، ثُمَّ يَعُودُونَ فَيُسَمُّونَ صَفَرَ صَفَرَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ رَجَبَ جُمَادي الآخِرَةَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ شَعْبَانَ رَمَضَانَ، ورَمَضَانَ شَوَّالَ، ويُسَمُّونَ ذَا الْقَعْدَةِ شَوَّالَ، ثُمَّ يُسَمُّونَ ذَا الْحِجَّةِ ذَا الْقَعْدِةِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ ذَا الْحِجَّةِ، ثُمَّ يَحُجُّونَ فِيهِ واسْمُهُ عِنْدَهُمْ ذُو الْحِجَّةِ.
ثُمَّ عَادُوا إلى مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عَاماً حتّى وَافَقَ حِجَّةُ أبي بَكْرٍ الآخِرَةُ مِنَ الْعَامِ في ذِي القَعْدَةِ، ثُمَّ حَجَّ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ حِجَّتَهُ التي حَجَّ فِيهَا فَوَافَقَ ذُو الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسَلَّمَ في خُطْبَتِهِ: "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ".[15]
ومحصّل هذه الرواية على ما فيها من التشويش والاضطراب أنّ العرب كانت قبل الإسلام تحجّ البيت في ذي الحجّة، غير أنّهم أرادوا أن يحجّوا كلّ عام في شهر، فكانوا يدورون بالحجّ الشهور شهراً بعد شهر، وكلّ شهر وصلت إليه النوبة عامهم ذلك سمّوه «ذا الحجّة»، وسكتوا عن اسمه الأصليّ.
ولازم ذلك: أن تتألّف كلّ سنة فيها حجّة من ثلاثة عشر شهراً وأن يتكرّر اسم بعض الشهور مرّتين أو أزيد كما تشعر به الرواية. ولذا ذكر الطبريّ أنّ العرب كانت تجعل السنة ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية: اثنى عشر شهراً وخمسة وعشرين يوماً.
ولازم ذلك أيضاً: أن تتغيّر أسماء الشهور كلّها، وأن لا يواطئ اسم الشهر نفس الشهر إلّا في كلّ اثنتي عشرة سنة مرّة، إن كان التأخير على نظام محفوظ، وذلك على نحو الدوران.[16]
وتحدّث الفخر الرازيّ في تفسيره عن النسيء مفصّلًا، وقال في ذيل الآية: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ}: اعلم أنّ هذا شرح النوع الثالث من قبائح أعمال اليهود والنصاري والمشركين، وهو إقدامهم على السعي في تغييرهم أحكام الله. وذلك لأنّه تعالى لمّا حكم في كلّ وقت بحكم خاصّ فإذا غيّروا تلك الأحكام بسبب النسيء فحينئذٍ كان ذلك سعياً منهم في تغيير حكم السنة بحسب أهوائهم وآرائهم، فكان ذلك زيادة في كفرهم وحسرتهم.
ثمّ قال في بيان المسألة الاولى من المسائل التي طرحها: اعلم أنّ السنة عند العرب عبارة عن اثنى عشر شهراً من الشهور القمريّة والدليل عليه هذه الآية، وأيضاً قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والْقَمَرَ نُوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ}.[17]
فجعل تقدير القمر بالمنازل علّة للسنين والحساب، وذلك إنّما يصحّ إذا كانت السنة معلّقة بسير القمر، وأيضاً قال تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِ}.[18]
وعند سائر الطوائف [غير العرب] عبارة عن المدّة التي تدور الشمس فيها دورة تامّة، والسنة القمريّة أقلّ من السنة الشمسيّة بمقدار معلوم. وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمريّة من فصل إلى فصل، فيكون الحجّ واقعاً في الشتاء مرّة، وفي الصيف اخرى وكان يشقّ الأمر عليهم بهذا السبب. وأيضاً إذا حضروا الحجّ حضروا للتجارة، فربّما كان ذلك الوقت غير موافق لحضور التجارات من الأطراف، وكان يخلّ أسباب تجاراتهم بهذا السبب.
فلهذا السبب، أقدموا على عمل الكَبِيسَة[19] على ما هو معلوم في علم الزيجات، واعتبروا السنة الشمسيّة، وعند ذلك بقى زمان الحجّ مختصّاً بوقت واحد معيّن موافق لمصلحتهم، وانتفعوا بتجاراتهم ومصالحهم.
فهذا النسيء، وإن كان سبباً لحصول المصالح الدنيويّة، إلّا أنّه لزم منه تغيّر حكم الله تعالى. لأنّه تعالى لمّا خصّ الحجّ بأشهر معلومة على التعيين، وكان بسبب ذلك النسيء، يقع في سائر الشهور تغيّر حكم الله وتكليفه. فلهذا المعنى، استوجبوا الذمّ العظيم في هذه الآية.
ولمّا كانت السنة الشمسيّة زائدة على السنة القمريّة، جمعوا تلك الزيادة فإذا بلغ مقدارها إلى شهر، جعلوا تلك السنة ثلاثة عشر شهراً. فأنكر الله تعالى ذلك عليهم، وقال: إنّ حكم الله أن تكون السنة اثنى عشر شهراً لا أقل ولا أزيد. وتحكّمهم على بعض السنين أنّه صار ثلاثة عشر شهراً حكم واقع على خلاف حكم الله تعالى ويوجب تغيير تكاليف الله تعالى. وكلّ ذلك على خلاف الدين.
ومذهب العرب من الزمان الأوّل أن تكون السنة قمريّة لا شمسيّة. وهذا حكم توارثوه، عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام. فأمّا عند اليهود والنصارى، فليس كذلك. ثمّ إنّ بعض العرب تعلّم صفة الكبيسة من اليهود والنصارى، فأظهر ذلك في بلاد العرب.[20]
وقال الفخر الرازيّ أيضاً بعد حديثه عن مواضيع مفصّلة: النسيء هو التأخير، وقال أبو زيد: نَسَأتُ الإبِلَ عَنِ الْحَوْضِ أنْسَؤُهَا نَسْأ إذَا أخَّرْتَهَا، وأنْسَأتُهُ إنسَاءً إذَا أخَّرْتَهُ عَنْهُ والاسْمُ النَّسِيئَةُ والنَّسءُ.
وقال قطرب: النَّسِيءُ أصْلُهُ مِنَ الزِّيَادَةِ يُقَالُ: نَسَأ في الأجَلِ وأنْسَأ، إذَا زَادَ فِيهِ.
وقال الواحديّ في جوابه: الصحيح القول الأوّل، وهو أنّ أصل النسيء التأخير. والمراد هنا التأخير، لا الزيادة.[21]
ثمّ قال الفخر الرازيّ: لو رتّب العرب [في الجاهليّة] حسابهم على السنة القمريّة، فإنّه يقع حجّهم تارة في الصيف، وتارة في الشتاء، وكان يشقّ عليهم الأسفار ولم ينتفعوا بها في المرابحات والتجارات، لأنّ سائر الناس من سائر البلاد ما كانوا يحضرون إلّا في الأوقات اللّائقة الموافقة.
فعلموا أنّ بناء الأمر على رعاية السنة القمريّة يخلّ بمصالح الدنيا، فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسيّة. ولمّا كانت السنة الشمسيّة زائدة على السنة القمريّة بمقدار معيّن احتاجوا إلى الكبيسة، وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران: أحدهما: أنّهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهراً بسبب اجتماع تلك الزيادات.
والثاني: أنّه كان ينتقل الحجّ من بعض الشهور القمريّة إلى غيره، فكان الحجّ يقع في بعض السنين في ذي الحجّة، وبعده في المحرّم، وبعده في صفر، وهكذا في الدور حتّى ينتهي بعد مدّة مخصوصة مرّة اخرى إلى ذي الحجّة.
فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران: أحدهما: الزيادة في عدّة الشهور. والثاني: تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر. وقد بيّنا أنّ لفظ النسيء يفيد التأخير عند الأكثرين، ويفيد الزيادة عند الباقين. وعلى التقديرين، فإنّه منطبق على هذين الأمرين.
والحاصل من هذا الكلام: أنّ بناء العبادات على السنة القمريّة يخلّ مصالح الدنيا. وبناؤها على السنة الشمسيّة يفيد رعاية مصالح الدنيا، والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمريّة. فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمريّة، واعتبروا السنة الشمسيّة رعاية لمصالح الدنيا وأوقعوا الحجّ في شهر آخر سوى الأشهر الحرم. فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سبباً لزيادة كفرهم.
وإنّما كان ذلك سبباً لزيادة الكفر، لأنّ الله تعالى أمرهم بإيقاع الحجّ في الأشهر الحرم، ثمّ إنّهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر وذكروا لأتباعهم أنّ هذا الذي عملناه هو الواجب وأنّ إيقاعه في الشهور القمريّة غير واجب. فكان هذا إنكاراً منهم لحكم الله مع العلم به وتمرّداً على طاعته، وذلك يجب الكفر بإجماع المسلمين.
وأمّا الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادات الحاصلة بسبب تلك الكبائس، فمذكور في الزيجات.
قال الواحديّ: وأكثر العلماء على أنّ هذا التأخير ما كان يختصّ بشهر واحد، بل كان ذلك حاصلًا في كلّ الشهور. وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قرّرناه واتّفقوا أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا أراد أن يحجّ في سنة حجّة الوداع، عاد الحجّ إلى شهر ذي الحجّة في نفس الأمر، فقال: "ألَا إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً". وأراد أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها.[22]
وقد سبق أبوريحان البيرونيّ[23] الفخر الرازيّ فتحدّث في مواضع من كتابه المشهور «الآثَارُ البَاقِيَةُ عَنِ الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ» عن كيفيّة النسيء في الشهور بين العرب، وأصل تأسيس التأريخ الإسلاميّ وأسماء الشهور. وقال في موضع من ذلك الكتاب بعد ذكره الشهور العربيّة الاثنى عشر التالية: الْمُحَرَّمُ، صَفَرُ، رَبِيعٌ الأوَّلُ، رَبِيعٌ الآخِرُ، جُمَادي الأولَى جُمَادي الآخِرَةُ، رَجَبُ، شَعْبَانُ، رَمَضَانُ، شَوَّالُ، ذُو الْقَعْدَةِ، ذُو الْحَجَّةِ:[24]
وكان العرب في الجاهليّة يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام. وكان يدور حجّهم في الأزمنة الأربعة، ثمّ أرادوا أن يحجّوا في وقت إدراك سلعهم من الادْم والجلود والثمار وغير ذلك، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة وفي أطيب الأزمنة وأخصبها.
فتعلّموا الكبسَ من اليهود المجاورين لهم وذلك قبل الهجرة بقريب من مائتي سنة فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهراً بشهورها إذا تمّ. ويتولّى القَلَامِسُ[25] بعد ذلك أن يقوموا بعد انقضاء الحجّ، ويخطبون في الموسم، وينسئوا الشهر، ويسمّون التالى له باسمه.
فيتّفق العرب على ذلك ويقبلون قوله ويسمّون هذا من فعلهم: النسيء، لأنّهم كانوا ينسأون أوّل السنة في كلّ سنتين أو ثلاث شهراً على حسب ما يستحقّه التقدّم. قال قائلهم: وكان النسيء الأوّل للمحرّم، فسمّي صفر به وشهر ربيع الأوّل باسم صفر، ثمّ والوا بين أسماء الشهور. وكان النسيء الثاني لصفر فسمّي الشهر الذي كان يتلوه وهو ربيع الأوّل بصفر أيضاً. وكذلك حتّى دار النسيء في الشهور الاثني عشر، وعاد إلى المحرّم، فأعادوا بها فعلهم الأوّل.
وكانوا يعدّون أدوار النسيء ويحدّون بها الأزمنة فيقولون قد دارت السنون من زمان كذا إلى زمان كذا دورة. فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصل من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس وبقيّة فصل ما بينها وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها كبسوها كبساً ثانياً.[26] وكان يبيّن لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها حتّى هاجر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وكانت نوبة النسيء كما ذكرت بلغت شعبان، فسمّى محرّماً، وشهر رمضان صفر.
فانتظر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حينئذٍ حجّة الوداع وخطب للناس وقال فيها: "ألَا وإنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضِ".
عنى بذلك أنّ الشهور [القمريّة] قد عادت إلى مواضعها، وزال عنها فعل العرب بها. ولذلك سمّيت حجّة الوداع، الحجّ الأقْوَم ثمّ حرّم ذلك، وأهمل أصلًا.[27]
ويقول في موضع آخر: وفي التاسع عشر [من شهر رمضان] فتح مكّة. ولم يقم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الحجّ، لأنّ شهور العرب كانت زائلة بسبب النسيء. وتربّص حتّى عادت إلى مكانها، ثمّ حجّ حجّة الوداع، وحرّم النسيء. قال «نلِّينو» في كتاب «علم الفلك»: أمّا هذا الظنّ أنّ النسيء نوع من الكبس لتحصيل المعادلة بين السنة المشتملة على شهور قمريّة والسنة الشمسيّة، فليس من أبكار أفكار فخر الدين الرازيّ، لأنّ جملة من أصحاب علم الهيئة قد سبقوه إلى ذلك الظنّ. وأقدمهم على ما نعرفه هو أبو مَعْشَر البَلْخِيّ[28] المتوفّى سنة 272 هـ.
قال أبو معشر في كتاب «الالوف»:[29] وأمّا العرب في الجاهليّة فكانوا يستعملون سنيّ القمريّة برؤية الأهلّة كما يفعله أهل الإسلام. وكانوا يحجّون في العاشر من ذي الحجّة. وكان لا يقع هذا الوقت في فصل واحد من فصول السنة، بل يختلف فمرّة يقع في زمان الصيف ومرّة في زمان الشتاء، ومرّة في الفصلين الباقيين لما يقع بين سنيّ الشمس والقمر من التفاصيل.
فأرادوا أن يكون وقت حجّهم موافقاً لأوقات تجاراتهم، وأن يكون الهواء معتدلًا في الحرّ والبرد ومع توريق الأشجار ونبات الكلأ لتسهل عليهم المسافرة إلى مكّة ويتّجروا بها مع قضاء مناسكهم. فتعلّموا عمل الكبيسة من اليهود وسمّوه النسيء، أي: التأخير إلّا أنّهم خالفوا اليهود في بعض أعمالهم، لأنّ اليهود كانوا يكبسون تسع عشرة سنة قمريّة بسبعة أشهر قمريّة حتّى تصير تسع عشرة شمسيّة. والعرب تكبس أربعاً وعشرين سنة قمريّة باثنى عشر شهراً قمريّة.
واختاروا لهذا الأمر رجلًا من بني كنانة، وكان يدعى: القَلَمَّس. وأولاده القائمون بهذا الشأن تدعى: القلامسة، ويسمّون أيضاً: النَّسَأة. والقَلَمَّس هو البحر الغزير. وآخر من تولّى ذلك من أولاده: أبو ثُمامة، جُنادة بن عَوْف بن امَيَّةَ بن قَلَع بن عَبَّاد بن قَلَع بن حُذَيْفَةَ.
وكان القَلَمَّس يقوم خطيباً في الموسم عند انقضاء الحجّ بعرفات. ويبتدي عند وقوع الحجّ في ذي الحجّة فينسئ المحرّم، ولا يعدّه في الشهور الاثنى عشر، ويجعل أوّل شهور السنة صفر فيصير المحرّم آخر شهر ويقوم مقام ذي الحجّة ويحجّ فيه الناس فيكون الحجّ في المحرّم مرّتين. ثمّ يقوم خطيباً في الموسم في السنة الثالثة عند انقضاء الحجّ وينسئ صفر الذي جعله أوّل الشهور للسنتين الاوليين، ويجعل شهر ربيع الأوّل أوّل شهور السنة الثالثة والرابعة حتّى يقع الحجّ فيهما، في صفر الذي هو آخر شهور هاتين السنتين، ثمّ لا يزال هذا دأبه في كلّ سنتين حتّى يعود الدور إلى الحال الاولى. وكانوا يعدّون كلّ سنتين خمسة وعشرين شهراً.
وقال أبو معشر أيضاً في كتابه عن بعض الرواة: إنّ العرب كانوا يكبسون أربعة وعشرين سنة قمريّة بتسعة أشهر قمريّة. فكانوا ينظرون إلى فضل ما بين سنة الشمس وهو عشرة أيّام وإحدى وعشرون ساعة وخُمس ساعة بالتقريب.[30] ويلحقون بها شهراً تامّاً كلّما تمّ منها ما يستوفى أيّام شهر، ولكنّهم كانوا يعملون على أنّه عشرة أيّام وعشرون ساعة فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة جارية على سنن واحد لا تتأخّر عن أوقاتهم ولا تتقدّم إلى أن حجّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.[31]
وقد خصّ «نلِّينو» الدرس الثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر من هذا الكتاب للحديث عن معارف عرب الجاهليّة بالسماء والنجوم، ومسألة النسيء المذكور في القرآن الكريم، وجاء بعدد من الآيات القرآنيّة وأقوال المفسّرين.[32]
وحصيلة ما جاء في بحثنا هذا عن تفسير النسيء في الآية الشريفة، مع روايات كثيرة وردت في هذا المقام، وكلام للمؤرّخين من علماء الهيئة والنجوم أمثال أبي ريحان البيرونيّ، وأبي معشر البلخيّ، وكذلك كلام الرحّالة الكبير والمؤرّخ الجليل عليّ بن الحسين المسعوديّ المتوفّى سنة 346 هـ في كتابه «مروج الذهب»[33] وكتابه النفيس: «التنبيه والإشراف» هو أنّ اصول الشهور القمريّة قد تغيّرت بين عرب الجاهليّة لسببين:
الأوّل: تأخير الأشهر الحرم من وقتها كما في شهر محرّم الذي كانوا يؤخّرونه وينسئون حرمته، ويسمّونه صفراً، ولم يبالوا بالحرب والقتال والنهب والغارة فيه. وكانوا يكفّون عن القتال خلال أربعة أشهر في السنة من حيث الكميّة لا من حيث النوعيّة حفظاً لحرمة الأشهر الأربعة المحترمة (ذي القعدة، وذي الحجّة، ومحرّم، ورجب) {لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ}.
الثاني: تأخير أيّام الحجّ أو أيّام الصوم وبعض العبادات والمناسك إلى وقت آخر، لملاءمة المناخ، ومن أجل بيع البضائع التجاريّة، وجذب القبائل لأداء الحجّ. ولذلك كان الحجّ يقام في فصل خاصّ من حيث اعتدال الجوّ، ويدور في الشهور القمريّة، حتّى يعود إلى زمنه الأصليّ كلّ ثلاث وثلاثين سنة حسب السنة الكبيسة الدقيقة، وكلّ ستّ وعشرين سنة حسب الكبيسة التقريبيّة، كما مرّ بنا في رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، وقد رجع إلى وقته الأصليّ في حجّة الوداع التي حجّها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولذلك قال رسول الله في خطبته: "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ". ونحن لا نصرّ على أن ننظر إلى الآية القرآنيّة في عدّة الشهور والنسيء متعلّقة بتأخير الأشهر الحرم، أو تأخير الحجّ عن وقته المعيّن، بل إنّ الآية المباركة- عامّة ومطلقة- تشمل كلا النوعين من النسيء، ونقل الروايات المشهورة بل المستفيضة يعضد هذا المعنى أيضاً.
وفي ضوء ذلك، فإنّ تأخير حرمة الأشهر الحرم عن وقتها حرام في الشريعة الإسلاميّة النيّرة، وكذلك تأخير الآداب والأحكام والتعاليم المقرّرة في أوقات معيّنة كالصوم في شهر رمضان، والحجّ في شهر ذي الحجّة. لذلك فإنّ استبدال الشهور الشمسيّة بالشهور القمريّة، واستبدال السنين الشمسيّة بالسنين القمريّة لا يجوز بأيّ وجه من الوجوه.
وليس للمسلم أن يصوم في شوّال أو في غيره من الشهور المعتدلة. أو يصوم في فصل الشتاء لملائمة الجوّ وقصر النهار. أي: ليس له أن يجعل صومه وفقاً لحساب السنين والشهور الشمسيّة.
وليس له أن يحجّ في المحرّم أو في غيره من الشهور المعتدلة بسبب ملائمة الجوّ وتبعاً لبيع البضائع والامور الإعتباريّة والمصالح المادّيّة والدنيويّة. فيجعل حجّه في فصل الربيع أو الخريف. أي: لا يحقّ له أن يحجّ طبقاً لحساب السنين والشهور الشمسيّة.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى التكاليف الاخرى من واجبات ومستحبّات ومحرّمات ومكروهات. وكذلك بالنسبة إلى الأحكام الإجتماعيّة والسنن الإعتباريّة والآداب والتقاليد والعادات التي يواجهها في المجتمع.
وليس للمسلم أن يجعل السنة الشمسيّة ملاكاً وميزاناً لأعماله وتأريخه، ذلك لأنّ القرآن المجيد جعل السنة القمريّة سنة المسلم بكلّ صراحة، فقال: عزّ من قائل: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}.[34]
تصرّح هذه الآية بأنّ السنين والشهور الإسلاميّة الرسميّة هي السنون والشهور القمريّة من جهات متعدّدة:
الاولى: قوله: مِنْهَا أرْبعة حُرُمٌ. لأنّ من الضروريّات أنّ الإسلام لم يجعل شهراً ما من الأشهر الحرم، إلّا هذه الأشهر الأربعة من الشهور القمريّة، وهي ذوالقعدة، وذوالحجّة، ومحرّم، ورجب. وهذه الأشهر هي من الشهور القمريّة، لا الشمسيّة. وجاء في روايات عديدة، وفي خطبة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّ ثلاثة منها متوالية وواحداً فرد:
ثَلَاثَةٌ مِنْهَا سَرْدٌ، ووَاحِدٌ مِنْهَا فَرْدٌ.[35] والمتوالية هي: ذوالقعدة، وذوالحجّة ومحرّم، والفرد هو شهر رجب.
الثانية: قوله: عِندَ اللهِ.
والثالثة: قوله: في {كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ}. فهذان القيدان يدلّان على أنّ الشهور غير قابلة للتغيير والاختلاف أبداً. ولا تأثّر بالوَضْع والجعل وغيرهما من الامور الوضعيّة لأنّها عند الله الذي لا يتغيّر علمه وإحاطته، وفي كتابه يوم خلق السماوات والأرض.
فقد كانت هكذا في الحكم المكتوب في كتاب التكوين، وفي القانون المدوّن في لوح الخلق، ولَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ تعالى. ومعلوم أنّ الشهور الشمسيّة مهما كان وضعها وعنوانها وتأريخها شهور عرفيّة وضعيّة تبلورت على أساس حساب المنجّم والزيادة والقلّة الاعتباريّة والوضعيّة.
أمّا الشهور القمريّة فإنّها كانت كما هي عليه الآن منذ خلق الله السماوات والأرض. تبدأ برؤية الهلال عند خروجه من المحاق ومن تحت الشعاع، وتنتهي بالمحاق والدخول تحت الشعاع. {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، والْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.[36]
[1] جاء في «النهاية» لابن الأثير، ج 2، ص 139، في مادّة دَوَرَ، وفي الحديث "إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ والأرْضَ، يقال: دَارَ يَدُوُر واسْتَدَارَ يَسْتَدِيرُ" بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ومعنى الحديث: أنّ العرب كانوا يؤخّرون المحرّم إلى صفر، وهو النسيء ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك سنة بعد سنة. فينتقل المحرّم من شهر إلى شهر حتّى يجعلوه في جميع شهور السنة. فلمّا كانت تلك السنة، كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل النقل، ودارت السنة كهيئتها الاولى. ولذلك قال رسول الله هكذا.
[2] «مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 3، ص 29.
[3] «تفسير أبي السعود» ج 2، ص 548.
[4] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 236؛ وتفسير «الميزان» ج 9، ص 286.
[5] نقل العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في ج 9، ص 287 من «الميزان» عن السيوطيّ في كتاب «المزهر»: أنّ العرب قبل الإسلام كانت تسمّي المحرّم: صفر الأوّل، وصفر: صفر الثاني. وهما صفران كالربيعين والجماديين. والنسيء إنّما ينال صفر الأوّل ولا يتعدّى صفر الثاني. فلمّا أقَرّ الإسلام الحرمة لصفر الأوّل، عبّروا عنه بشهر الله المحرّم، ثمّ لمّا كثر الاستعمال، خفّف، وقيل: المحرّم. واختصّ اسم صفر بصفر الثاني. فالمحرّم من الألفاظ الإسلاميّة.
[6] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 236 و237؛ وتفسير «الميزان» ج 9، ص 286 و287.
[7] «نفس المصدر السابق».
[8] «نفس المصدر السابق».
[9] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 237.
[10] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 236؛ وتفسير «الميزان» ج 9، ص 289.
[11] «المصدر السابق» ص 234؛ و«مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 37.
[12] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 234؛ و«مسند أحمد بن حنبل» ج 5، ص 37.
[13] «نفس المصدر السابق».
[14] «نفس المصدر السابق».
[15] تفسير «الدرّ المنثور» ج 3، ص 237؛ وتفسير «الميزان» ج 9، ص 288.
[16] «الميزان» ج 9، ص 288.
[17] الآية 5، من السورة 10: يونس.
[18] الآية 189، من السورة 2: البقرة.
[19] الكبيسة هنا هي عبارة عن حساب الاختلاف في مقدار السنة القمريّة، مع مقدار السنة الشمسيّة، وإضافة ذلك الاختلاف إلي السنة القمريّة في آخرها.
[20] تفسير «مفاتيح الغيب» طبعة دار الطباعة العامرة، ج 4، ص 633.
[21] تفسير «مفاتيح الغيب» ج 4، ص 637 و638.
[22] تفسير «مفاتيح الغيب» ج 4، ص 638 و639.
[23] أبو ريحان محمّد بن أحمد البيرونيّ الخوارزميّ من كبار علماء الإسلام. عاش في القرن الرابع والخامس، ولد بخوارزم. سنة 360 هـ، وتوفّى بغزنة، سنة 440 هـ.
[24] وذكر في ذلك الكتاب أسماء اخرى للشهور العربيّة قبل الإسلام ووجه تسميتها بتلك الأسماء، وذلك ص 60 إلى 62. ثمّ قال: هذه الأسماء تعود إلى عصر قديم ثمّ بدّلت الأسماء الحاضرة بها في العصر الجاهليّ. وهذه الأسماء هي: المُؤْتَمِر- خَوَّانٌ- حُنْتَمٌ- نَاجِرٌ- صُوانٌ- زَبَّاءُ- الأصَمُّ- نَافِقٌ- هُوَاعٌ- عَادِلٌ- وَاغِل- بُرَكٌ. وهناك اختلاف فيالتواريخ حول بعض هذه الأسماء وترتيبها. وأحسن نظم في هذا المجال هو ما قاله الصاحب إسماعيل بن عبّاد:أردْتُ شُهُورَ الْعُرْبِ في الجَاهِلِيَّةِ***فَخُذْهَا على سَرْدِ الْمُحَرَّمِ تَشْتَرِكْفَمُؤتَمِرٌ يَأتِي ومِنْ بَعْدُ ناجِرٌ***وَ خُوّانُ مَعْ صُوَانَ يُجْمَعُ في شَرَكْحَنِينٌ وزَبَّا والأصَمُّ وعَادِلٌ***وَ نَافِقُ مَعْ وَغْلٍ ورَنَّةُ مَعْ بُرَكْ
[25] القَلَامِس جمع القَلَمَّس، وهو البحر الزاخر. والقلمّس لقب لأحد نَسَأة الشهور على العرب في الجاهليّة، وهو من بني كنانة. وأوّل النَّسَأة هو حذيفة بن عبد فقيم الكنانيّ. وكانوا يتوارثون منصبه واحداً بعد الآخر. وآخرهم، وهو سابعهم: أبو ثمامة جُنادة بن عوف (أبو ثمامة جنادة بن عوف بن اميّة بن قَلَع بن عبّاد بن قَلَع بن حذيفة) ولو اعتبرنا متوسّط السنّ لكلّ جيل ثلاثين سنة، فالمجموع هو مائتان وعشر سنوات. ولو أنقصنا من هذه المدّة سنوات الهجرة العشر، فإنّ أوّلهم كان يعيش قبل الهجرة بمائتي عام. وقد نصّ المقريزيّ على هذا الزمان في خططه، ج 2، ص 54.
[26] أي: كانوا يصحّحون المقدار المهمل من جمع الفروق الذي يحصل من الكبس مع مقدار السنة الشمسيّة أثناء السنة القمريّة المحسوبة، وذلك مع كبيسة اخرى ذات حساب أدقّ. وذكر المقريزيّ المتوفّى سنة 845 هـ هذه الطريقة من الكبس عند العرب في الجاهليّة، وذلك في كتاب «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» ج 2، ص 56، طبعة مصر.
[27] «الآثار الباقية» ص 62 و63.
[28] «الآثار الباقية» ص 332.
[29] أبو معشر الفلكيّ هذا من أصحاب علم النجوم والهيئة. وهو غير أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السنديّ، من المحدّثين المشهورين صاحب كتاب «المغازي» المتوفّى سنة 170 هـ.
[30] هذا المقدار مسلّم به عند أصحاب علم الهيئة. وينبغي أن نعلم أنّ كلّ شهر قمريّ نجوميّ يمثّل فترة مقارنتين متواليتين للشمس والقمر، وهو عبارة عن تسعة وعشرين يوماً واثنتى عشرة ساعة وأربع وأربعين دقيقة (29 يوم 12 ساعة 44 دقيقه) وإذا ضربنا هذا المقدار في العدد 12 فالناتج هو ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً وثماني ساعات وثماني وأربعين دقيقة، فالسنة القمريّة عبارة عن (354 يوم 8 ساعة 48 دقيقة) ولمّا كانت كلّ سنة شمسيّة عبارة عن ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً وستّ ساعات تقريباً (365 يوم 6 ساعة)، فلهذا يكون تفاضل السنة الشمسيّة من القمريّة عشرة أيّام وإحدى وعشرين ساعة واثنتى عشرة دقيقة (10 أيّام 21 ساعة 12 دقيقة) تقريباً، وهو المقدار الذي ذكره أبو معشر.
[31] «علم الفلك»، تاريخه عند العرب في القرون الوسطى» تأليف الفلكيّ الإيطاليّ «السينور كرلو نلّينو»، الطبعة الثانية 1911 م، ص 87 إلى 89.
[32] «علم الفلك» المحاضرة الثانية عشرة إلى المحاضرة الرابعة عشرة، ص 83 إلى 99.
[33] جاء في «مروج الذهب» ج 2، ص 188 و189، طبعة دار الأندلس: أسماء الشهور: شهور الأهلّة: أوّلها المحرّم، وأيّامها ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً تنقص عن السريانيّ أحد عشر يوماً وربع يوم. فتفرق في كلّ ثلاث وثلاثين سنة، فتنسلخ تلك السنة العربيّة، ولا يكون فيها نيروز. وقد كانت العرب في الجاهليّة تكبس في كلّ ثلاث سنين شهراً وتسمّية النسيء، وهو التأخير. وقد ذمّ الله تبارك وتعالى فعلهم بقوله: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ. ورسمت العرب الشهور فبدأت بالمحرّم، لأنّه أوّل السنة. وإنّما سمّته المحرّم لتحريمها الحرب، والغارات فيه. وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمّى الصفريّة، وكانوا يمتارون منها. ومن تخلّف عنها، هلك جوعاً.
و قيل: إنّما سمّى الصفر، لأنّ المدن كانت تخلو فيه من أهلها بخروجهم إلى الحرب. وهو مأخوذ من قولهم: صَفِرَتِ الدَّارُ مِنْهُمْ، إذا خلت. وربيع، وربيع لارتباع الناس والدوابّ فيهما. فان قيل: قد توجد الدوابّ ترتبع في غير هذا الوقت، قيل: قد يمكن أن يكون هذا الاسم لزمهما في ذلك الوقت، فاستمرّ تعريفهما بذلك مع انتقال الزمان واختلافه. وجُمادي وجُمادي، لجمود الماء فيهما في الزمان الذي سمّيت به هذه الشهور، لأنّهم لم يعلموا أنّ الحرّ والبرد يدوران فتنتقل أوقات ذلك. ورجب، لخوفهم إيّاه. يقال: رَجبْتُ الشيء، إذا خفته. وشعبان، لتشعّبهم إلى مياههم وطلب الغارات. ورمضان، لشدّة حرّ الرمضاء فيه ذلك الوقت. والوجه الآخر أنه اسم من أسماء الله تعالى ذكره. ولا يجوز أن يقال: رمضان، وإنّما يقال: شهر رمضان. وشوّال، لأنّ الإبل كانت تشول في ذلك الوقت بأذنابها من شهوة الضراب، تشاءمت به العرب، ولذلك كرهَت التزويج فيه. وذو القعدة، لقعودهم فيه عن الحرب والغارات. وذوالحجّة، لأنّ الحجّ فيه- انتهى.
يتّضح لنا ممّا تقدّم وممّا قاله أبوريحان البيرونيّ في «الآثار الباقية» حول سبب تسمية الأشهر القمريّة أنهم كانوا يضعون هذه الأسماء للفصول الشمسيّة وفقاً للشهور الشمسيّة مدّة من حياتهم. ثمّ عادوا من الشهور الشمسيّة إلى الشهور القمريّة التي لا تنطبق على الفصول ثانية بسبب قانون الإسلام. وهذا هو النسيء الذي اعتبره الله زيادة في الكفر بسبب تأخير الأحكام والواجبات عن وقتها إلى وقت آخر يليها رعاية للمصالح الدنيويّة.
[34] الآية 36، من السورة 9: التوبة.
[35] جاء في تفسير الإمام الفخر الرازيّ، ج 4، ص 634، من الطبعة ذات الأجزاء الثمانية قوله: قد أجمعوا على أنّ هذه الأربعة ثلاثة منها سرد، وهي: ذو القعدة، وذو الحجّة والمحرّم، وواحد فرد، وهو رجب. وقال في ص 635: قوله: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} إشارة إلي الشهور الاثني عشر، لأنّ الكفّار كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهراً.
[36] الآيات 38 إلي 40، من السورة 36: يس.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)