الواضح أن غارات السلاجقة ضد الأراضي البيزنطية. ظلت، حتى وفاة السلطان طغرلبك في عام (455هـ / 1063م) تستهدف غالباً السلب والنهب من دون محاولة الاستقرار (1) ، إنما كانت خطوة تمهيدية استطلعت خلالها القوات السلجوقية أوضاع وطبيعة المنطقة، هذا على الرغم من أن السلطان السلجوقي كان شديد الاهتمام بالطرف الشمالي الغربي لسلطنته، إلا أن ابن أخيه وخليفته السلطان ألب أرسلان أثاره احتمال تقارب بين البيزنطيين والفاطميين، فحرص على أن. يحمي بيزنطية بالسيطرة على أرمينية وبلاد الكرج، والاستقرار في ربوعهما قبل أن يمضي لتحقيق هدفه الأساس، وهو مهاجمة الفاطميين في بلاد الشام، وبدا واضحاً أن الصراع بين السلاجقة والبيزنطيين سوف يزداد عنفاً وبخاصة أن البيزنطيين أدركوا أخيراً مدى فداحة الخطر الذي يُهدّد الامبراطورية في الشرق (2).
ونتيجة لذلك، دخلت سياسة السلاجقة تجاه الامبراطورية البيزنطية في دور جديد، وكان السلطان ألب أرسلان قبل قيامه بغزو البيزنطيين قد وثق علاقاته مع كل من السلطتين الغزنوية والخانية عن طريق المصاهرة، فزوج أحد أبنائه من ابنة السلطان إبراهيم الغزنوي، كما زوج ابنه الأكبر ملكشاه من ابنة طمغاج خان ملك الخانيين، ثم أخضع أذربيجان، بعد أن خرج أهلها على حكمه، وطوع تركمان المناطق الحدودية، وكان التحكم في تحركات هؤلاء وتوجيههم وفق ما يخدم مصالحه ويُحقق طموحه من المشكلات المعقدة التي واجهته، وبخاصة أن السلب
والنهب كان عماد حياتهم ما هيَّأ له أن يُركّز اهتمامه ويتفرغ لغزو البيزنطيين وهو مطمئن.
قام السلطان ألب أرسلان بحملة كبيرة ضد الأقاليم النصرانية المجاورة لحدود دولته، وقاد جيشه نحو جنوبي أذربيجان ثم توجه غرباً لفتح بلاد الكرج والمناطق المطلة على بلاد البيزنطيين، وكان سكان الكرج يُكثرون الغارة على أذربيجان فأضحوا مصدر قلق لسكان المنطقة، وانضم إليه وهو في مدينة مرند بأذربيجان أحد أمراء التركمان ويُدعى طغتكين وكان دائم الغارة على تلك المنطقة، عارفاً بمسالكها اجتاز الجيش السلجوقي نهر الرس(3) على جسر من السفن في طريقة إلى بلاد الكرج، ولما وصل إلى نخجوان (4) فصل قوة بقيادة ابنه ملكشاه ووزيره نظام الملك وأمرهما بالغارة على وادي الرس، فهاجما حصوناً ومدناً بيزنطية منها حصن سرماري(5) نشين الحصينة وفتحاهما(6)، وتوجه هو على رأس ومدينة القسم الآخر من الجيش إلى بلاد الكرج، فأغار على خوي (7) وسلماس(8) ونخجوان وثرياليت (9) ، وكويليسكور(10) ، كما اجتاح أقاليم عدة أخرى، وبذلك يكون السلطان السلجوقي قد اجتاح شمالي أرمينية كله حتى وصل إلى إقليم التاو وطاييك في بلاد الكرج، وبسط نفوذه على البلاد الجبلية الواقعة شمالي آني(11) حتى حدود بلاد الكرج.
عند هذه المرحلة من الفتوح استدعى السلطان ألب أرسلان ابنه ووزيره للانضمام إليه عند مدينة ميريم نشين وساروا منها إلى سبيذ شهر وفتحوها بعد قتال، وتابعوا سيرهم إلى مدينة أعال لال ،الحصينة فقاتلهم أهلها إلا أنهم تغلبوا عليهم وفتحوا المدينة وغنموا ما لا يُحد ولا يُحصى(12) ومضوا إلى آني وحاصروها وضيقوا على أهلها الذين قاوموا الحصار بضراوة، فاضطروا إلى رفع الحصار والتراجع، فظن السكان أن الجيش السلجوقي إنما تراجع ليعيد تنظيم صفوفه ليكر ثانية على المدينة، فهرب قسم كبير منهم، ولما علم السلطان ألب أرسلان بذلك أمر بعودة الجيش إلى آني وتجديد حصاره لها، ثم اقتحمها وسيطر عليها وذلك في عام (456هـ / 1964م)، وعين السلطان عليها حاكماً من قبله كما ترك فيها حامية عسكرية كبيرة(13)، ، وفي ذلك إشارة إلى بداية الاستقرار السلجوقي في الأراضي الأرمنية وبعد سقوط أني بحوالي العام سقطت قارص بأيدي السلاجقة، ويبدو أن ملك الكرج هاله هذا التوغل السلجوقي في عمق الأراضي الأرمنية فهادن السلطان وصالحه على دفع الجزية، وذلك في عام (458 هـ / 1065م) (14).
نتيجة لهذا التوغل السلجوقي سيطر السلاجقة على أرمينية التي كانت بمثابة الحصن المنيع لبيزنطية من الشرق، وأضحى الطريق مفتوحاً أمامهم للعبور إلى شمالي بلاد الشام والأناضول.
...........................................................
(1) Grousset: Histoire des Croisades I p30
(2) عنان، محمد عبد الله موقعه ملاز کرد. مجلة الثقافة العدد 500، السنة 1948م، ص7.
(3) الرس: نهر يجري في أرمينية ويصب في بحر قزوين ويسميه ابن الأثير نهر أرس، ويسميه ابن حوقل نهر الرس ويُسمى في المراجع الأجنبية بنهر أراكس.
انظر: الكامل في التاريخ جـ 8 ص 653. صورة الأرض: ص 287. الحسيني: ص 35.
Saint Martin, J: Mémoires Historiques et Geographiques sur L'Armenic II p434.
(4) نخجوان يطلق عليها الجغرافيون المسلمون نشوي وهي بلد بأقصى أذربيجان، تقع شمالي نهر الكر على مسافة 90 كلم من مدينة خوي الشهيرة.
ابن سعيد أبو الحسن علي بن موسى بن سعيد المغربي: كتاب الجغرافيا ص189. الحموي:
جـه ص 276، 286، 287
(5) سرماري: قلعة عظيمة، وولاية واسعة بين تفليس وخلاط الحموي: جـ3 ص 44.
(6) ابن الأثير: جـ 8 ص 194 190. .612.Grousset: Histoire de L'Armenie p
وميريم نشين تقع في إقليم شراك الواقع بدوره في مقاطعة أرارات في أرمينية.
(7) خوي: مدينة مشهورة من أعمال أذربيجان تقع على نهر يصب في نهر الرس المشهور، على مسافة 180 كلم من مدينة باركري الحموي: جـ 2 ص 408.
(8) سلماس مدينة مشهورة في أذربيجان تقع على مسافة 42 كلم من مدينة أخوي. المصدر نفسه ج 3 ص 238، 239
(9) ثرياليت: منطقة جبلية تقع بين نهر الكر وبحيرة باركري في أرمينية.
(10) کویلیسکور: تقع في بلاد الكرج
(11) آني عاصمة أرمينية وقلعة حصينة ومدينة بأرض أرمينية بين خلاط وكنجة، وتقع على الشاطئ الأيمن لنهر أخوريان على بعد عشرين ميلاً عند ملتقى هذا النهر بنهر الرس، وهي
بلد في الجبال الحموي: ج1 ص 59
(12) ابن الأثير: جـ 8 ص 196 Grousset: p612
(13) المصدر نفسه؛ ابن العبري: ص 106 151 - Chamichian: II pp149
Grousset: pp 613 - 615(14)