

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
جواب ابن عبّاس الصارم لعمر حول عدم الجمع بين النبوّة والخلافة
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج8، ص112-123
2026-01-28
14
يقول الطبريّ في سيرة عمر ضمن نقل وقائع السنة الثالثة والعشرين من الهجرة: (في سفر عمر إلى الشام، واصطحابه كبار الصحابة وبينهم عبد الله بن عبّاس. علماً أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام استنكف عن الذهاب معه وردّ دعوته) عن رجل من ولد طلحة: عن ابن عبّاس، قال: خرجت مع عمر في بعض أسفاره؛ فإنَّا لنسير ليلة، وقد دنوت منه، إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه، وقال:
كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ يُقْتَلُ أحْمَدُ *** ولَمَّا نُطَاعِنْ دُوْنَهُ ونُنَاضِلُ
وَنُسْلِمُهُ حتّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ *** ونَذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا والحَلائِلُ
(هذان البيتان لأبي طالب عليه السلام الوالد الماجد للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام خاطب بهما كفّار قريش الذين كانوا ينوون قتل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فأنشدهما لرسول الله صلّى الله عليه وآله).
ثمّ قال أسْتَغْفِرُ اللهَ؛ ثمّ سار فلم يتكلّم قليلًا، ثمّ قال:
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا *** أبَرَّ وأوْفَى ذِمَّةً مِنْ محَمَّدِ
وَأكْسَى لِبُرْدِ الخَالِ قَبْلَ ابْتِذَالِهِ *** وأعْطَى لِرَأسِ السَّابِقِ المُتَجَرِّدِ
ثمّ قال: أسْتَغْفِرُ اللهَ، يا بن عبّاس! ما منع عليّاً من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري. قال: يا بن عبّاس! أبوك عمّ رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم، وأنت ابن عمّه، فما منع قومكم منكم؟! قلتُ: لا أدري. قال: لكنّي أدري؛ يكرهون ولايتكم لهم. قلتُ: لِمَ، ونحن لهم كالخير؟ قال: اللَهُمَّ غَفْراً، يَكْرَهُونَ أنْ تَجْتَمِعَ فِيكُمُ النُّبُوَّةُ والخِلافَةُ فَيَكُونَ بَجَحَاً بَجَحَاً.[1]
لعلّكم تقولون: إنَّ أبا بكر فعل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره. ولو جعلها بكم ما نفعكم مع قربكم، أنشدني لشاعر الشعراء زهير قوله:
إذَا ابْتَدَرَتْ قَيْسُ بْنُ عَيلَانَ غَايَةً *** مِنَ المَجْدِ مَنْ يَسْبِقْ إلَيْهَا يُسَوَّدُ
يقول ابن عبّاس: فأنشدته هذه القصيدة، وطلع الفجر. فقال: اقرأ سورة الواقعة؛ فقرأتها، ثمّ نزل فصلّى، وقرأ بالواقعة.[2]
وروى الطبريّ أيضاً عن عكرمة، عن ابن عبّاس قال: بينما عمر بن الخطّاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر، قال بعضهم: فلان أشعر؛ وقال بعضهم: بل فلان أشعر؛ قال: فأقبلت. فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بها.
فقال عمر: مَن شاعر الشعراء يا بن عبّاس؟ قال: فقلتُ: زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمَى فقال عمر: هلمّ من شعره ما نستدلّ به على ما ذكرت! فقلتُ: امتدح قوماً من بني عبد الله بن غطفان، فقال:
لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ *** قَوْمٌ بِأوَّلِهِمْ أوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا
قَوْمٌ أبُوهُمْ سَنَانٌ حِينَ تَنْسُبُهُمْ *** طَابُوا وطَابَ مِنَ الأوْلَادِ مَا وَلَدُوا
إنْسٌ إذَا أمِنُوا جِنٌّ إذَا فَزَعُوا *** مُرَزَّءونَ بَهَالِيلٌ إذَا حَشَدُوا
مُحَسَّدُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ *** لَا يَنْزِعُ اللهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا
ولمّا سمع عمر هذه الأبيات، قال: أحسن؛ وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم، لفضل رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم وقرابتهم منه.
يقول ابن عبّاس: فقلتُ: وُفِّقت يا أمير المؤمنين، ولم تزل موفّقاً! فقال عمر: يا بن عبّاس! أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمّد؟! فكرهت أن اجيبه؛ فلهذا قلتُ: إن لم أكن أدري، فأمير المؤمنين يدريني!
فَقَالَ عُمَرُ: كَرِهُوا أنْ تَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ والخِلافَةَ فَتَبَجَّحُوا على قَوْمِكُمْ بَجَحَاً بَجَحَاً؛ فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لأنْفُسِهَا؛ فَأصَابَتْ ووُفِّقَتْ.
قال ابن عبّاس: فقلتُ: يا أمير المؤمنين! إن تأذن لي في الكلام، وتُمِط عنّي الغضب، تكلّمتُ. فقال عمر: تكلّم يا بن عبّاس! فقلتُ: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت: فلو أنَّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محمود. وأمّا قولك: إنَّ قريشاً كرهت أن تكون لنا النبوّة والخلافة، فإنَّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهيّة، فقال: {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ}.[3]
فقال عمر: هيهات! والله يا بن عبّاس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك[4] عنها، فتزيل منزلتك منّي! فقلتُ: وما هي يا أمير المؤمنين؟! فإن كانت حقّاً، فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك! وإن كانت باطلًا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه.
فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنَّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً! فقلتُ: أمّا قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم! وأمّا قولك: حسداً، فإنَّ إبليس حسد آدم؛ فنحن ولده المحسودون!
فقال عمر: هيهات، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسداً ما يحول، وضغناً وغشّاً ما يزول! فقلتُ: مهلًا يا أمير المؤمنين! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغشّ! فإنَّ قلب رسول الله صلّى الله عليه و آله وسلّم من قلوب بني هاشم!
فقال عمر: إليك عنّي يا بن عبّاس! فقلتُ: أفعل. فلمّا ذهبت لأقوم، استحيا منّي، فقال: يا بن عبّاس، مكانك! فو الله إنّي لراعٍ لحقّك، محبّ لما سرّك!
فقلتُ: يا أمير المؤمنين إنَّ لي عليك حقّاً وعلى كلّ مسلم! فمن حفظه فحظّه أصاب، ومن أضاعه فحظّه أخطأ. ثمّ قام عمر فمضى.[5]
والشاهد الآخر على ما نقول كلام ابن عبد ربّه القرطبيّ الأندلسيّ المتوفّى سنة 328 هـ، قال فيه: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَاشَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَوْمَاً فَقَالَ لي: يَا بْنَ عَبَّاسٍ! مَا يَمْنَعُ قَوْمَكُمْ مِنْكُمْ وأنْتُمْ أهْلُ البَيْتِ خَاصَّةً؟ قُلْتُ: لَا أدْرِي! قَالَ: لَكِنَّنِي أدْرِي؛ إنَّكُمْ فَضَلْتُمُوهُمْ بِالنُّبُوَّةِ؛ فَقَالُوا إنْ فَضَلُوا بِالخِلَافَةِ مَعَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُبْقُوا لَنَا شَيْئاً؛ وإنَّ أفْضَلَ النَّصِيبَيْنِ بِأيْدِيكُمْ، بَلْ مَا أخَالُهَا إلَّا مُجْتَمِعَةً لَكُمْ وإنْ نَزَلَتْ عَلَى رَغْمِ أنْفِ قُرَيْشٍ.[6]
وقال ابن خلدون عند بحثه في بداية دولة الشيعة: وفيما نقله أهل الآثار أنَّ عمر قال يوماً لابن عبّاس: إنَّ قومكم- يعني قريشاً- ما أرادوا أن يجمعوا لكم- يعني بني هاشم- بين النبوّة والخلافة فتحموا عليهم! وأنَّ ابن عبّاس نكر ذلك وطلب من عمر إذنه في الكلام، فتكلّم بما غضب له. وظهر من محاورتهما أنهم كانوا يعلمون أنَّ في نفوس أهل البيت شيئاً من أمر الخلافة والعدول عنهم بها.[7]
وقال جرجي زيدان: والظاهر من أقوال عمر وغيره في مواقف مختلفة أنهم رأوا بني هاشم قد اعتزّوا بالنبوّة لأنَّ النبيّ منهم، فلم يستحسنوا أن يضيفوا إليها الخلافة.[8]
فهذه مستمسكات حول عدم الجمع بين النبوّة والخلافة في بني هاشم نقلناها عن لسان عمر وأبي بكر. وممّا نقلناه في هذا الكتاب حتّى الآن من كلامهم فإنَّ فساده واضح جدّاً، ونحن في غنى عن ردّه مستقلًّا، بيد أنا نتمسّك بالأدلّة الأربعة: الكتاب، والسنّة، والعقل، والإجماع، من وحي أن يكون جوابه واضحاً بعينه.
أمَّا الكَتَابُ: فقد رأينا أخيراً أنَّ بريدة الأسلميّ كان في الشام عند ما غصب أبو بكر الخلافة. ولمّا رجع إلى المدينة، ورأى أبا بكر على رأس الامور، اعترض وقال له: ألم تكن قد سلّمت على عليّ بن أبي طالب بوصفه أمير المؤمنين بأمر النبيّ؟ ... ولمّا قيل له: لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد، قرأ هذه الآية في المسجد: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ وآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً}.[9]
يلاحظ في هذه الآية بوضوح أنَّ الله أتى إبراهيم الكتاب والحكمة، وهما يمثّلان النبوّة، وكذلك آتاهم الملك العظيم الذي يمثّل الخلافة والحكومة.
وَأمَّا السُّنَّةُ: فقد روى أبو نعيم الإصفهانيّ بسنده عن حذيفة إليمانيّ أنه قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ألَا تَسْتَخْلِفُ عَلِيَّاً؟ قَالَ: إنْ تُوَلُّوا عَلِيَّاً تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَسْلُكُ بِكُمُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ.[10]
وكذلك روى أبو نعيم بسند آخر عن حذيفة أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وسَلَّمَ: إنْ تَسْتَخْلِفُوا عَلِيَّاً- ومَا أرَاكُمْ فَاعِلين- تَجِدُوهُ هَادِياً مَهْدِيَّاً يَحْمِلُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيَضَاءِ.[11]
وجاء في الصحيحين («صحيح البخاريّ» و«صحيح مسلم») عن ابن عبّاس، قال: لَمَّا احْتَضَرَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفي البَيْتِ رِجَالٌ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ قَالَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ: هَلُمَّ أكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَا تَضِلُّونَ بَعْدَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الوَجَعُ؛ وعِنْدَكُمُ القُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ!
فَاخْتَلَفَ القَوْمُ واخْتَصَمُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا إلَيْهِ يَكْتُبْ لَكُمْ كِتَاباً لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ؛ ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: القَوْلُ مَا قَالَهُ عُمَرُ.
فَلَمَّا أكْثَرُوا اللَّغْوَ والاخْتِلَافَ عِنْدَهُ عَلِيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُمْ: قُومُوا فَقَامُوا. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وبَيْنَ أنْ يَكْتُبَ لَكُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ.[12]
وجاء في بعض الروايات أنَّ عمر قال: لَا تَأتُوهُ بِشَيءٍ أو إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ![13]
وفي رواية عن ابن عبّاس جاء فيها: فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ: إنَّ نَبِيّ اللهِ لَيَهْجُرُ.[14]
ونحن نريد أن نثبت هنا أنَّ طلب الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله الكتف والدواة في ساعة الاحتضار هو من أجل أن يكتب ويختم للمسلمين عهداً بخلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام لا غير، لأنه مضافاً إلى النصوص الثابتة، مثل: آية الولاية، وحديث الغدير، وحديث الثقلين، وحديث الحقّ، وحديث المنزلة، وحديث السفينة، وحديث دعوة العشيرة الأقربين، وكثير من الأحاديث الاخرى التي بيّنت إمامة الإمام وخلافته على نحو اليقين، فإنَّ تلوّث الجوّ في المدينة نتيجة لوجود معارضي الولاية فيها كعمر، وأبي بكر، وأبي عبيدة الجرّاح، والمغيرة بن شعبة وأمثالهم، ممّا دعا إلى الترغيب في تجهيز جيش اسامة، وجعل هؤلاء المذكورين في الجيش ليخلو الجوّ في المدينة منهم لأمير المؤمنين عند موت النبيّ، وبسبب ما كان يتوسمه نور النبوّة وعلمها بالأضغان والأحقاد التي كانت تعتمل في صدور البعض، وأرهقت أمير المؤمنين عليه السلام وأضنته؛ وكذلك بسبب الأخبار التي كانت تتسرّب من بيت النبيّ إلى الخارج بواسطة حفصة وعائشة وحزبهما، ممّا أدّى إلى إباحة أسرار البيت النبويّ، وكانت قضيّة الولاية من أهمّ تلك الأسرار، إذ كان النبيّ يعلم بعزم المعارضين على المواجهة بكلّ قواهم، وكان النبيّ يريد أن يضبط الامور ويركّز الموضوع أكثر ويرفع الحواجز والعقبات، ولكن وبسبب إفشاء هذه الأسرار، حالوا دون تحرّك جيش اسامة، وكانوا يؤجّلون كلّ يوم بمعاذير واهية، وتخلّف عمر وأبو بكر عن الجيش. ولمّا آخذهما النبيّ على ذلك، جاءا بأعذار تافهة.
فمن وحي هذه الأغراض كلّها، طلب النبيّ الأكرم في اللحظات الأخيرة من حياته الشريفة دواة وورقة بحضور جمع من الصحابة ليكتب لهم شيئاً إذا رعوه حقّ رعايته، فلن يضلّوا بعده أبداً. فقال عمر: غلبه الوجع، وإنَّه ليهجر، وحسبنا كتاب الله. ولمّا علا الضجيج واللغط، وارتفعت الأصوات في ذلك المجلس، قال صلّى الله عليه وآله: قوموا، لا ينبغي عند نبيّ نزاع.[15]
وبالنظر إلى الموضوعات المتقدّمة، والالتفات إلى أنَّ الذين حالوا بين الرسول الأعظم وبين طلبه المتمثّل بعزمه على كتابة شيء يشهده الجميع ولن يضلّوا بعده، هم الذين أصابوا حظّاً من الحكومة في غد ذلك اليوم، بخاصّة وأنهم اختاروا خليفتهم من غير أن يُطلِعوا أمير المؤمنين وأصحابه وخاصّته وأقاربه من بني هاشم على ذلك، فهل يرتاب أحد في أنَّ قصد النبيّ الأكرم من الكتابة كان شيئاً آخر غير خلافة أمير المؤمنين؟
[1] جاء في «معجم البلدان»: الخال أيضاً موضع في شِقِّ اليمن. ولمّا كانت الأبراد اليمانيّة المنسوجة هناك أفضل وأجود من غيرها- على ما يبدو- لهذا جاء بُرد الخال في الشعر.
[2] «تاريخ الطبريّ» تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 4، ص 222، طبعة دار المعارف- مصر، وج 3، ص 288 طبعة مطبعة الاستقامة- القاهرة.
[3] الآية 9، من السورة 47: محمّد؛ والآية التي قبلها: {وَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ}.
[4] إذا كانت من باب فَرَّ يَفُرُّ فَرّاً وفَرَارَاً وفِرَارَاً وفُرَارَاً، كَمَدَّ يَمُدُّ وتعدّت بعن، فهي بمعني البحث، ويمكن أن تكون من مادّة فَرَكَ والكاف ليست ضمير المفعول. وفرّك من باب التفعيل للمبالغة. بيد أنَّ ابن الأثير ذكرها بالقاف: اقِرّك. وأقَرَّ يُقِرُّ إقْرَارَاً من باب الإفعال إذا استعملت مع الباء، فهي بمعني الإذعان والاعتراف. اقِرّك بها: أكره أن أدفعك إلي الإقرار بها.
[5] «تاريخ الطبريّ» تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 4، ص 222 إلي 224، طبعة دار المعارف بمصر؛ وج 3، ص 288 إلي 290 طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة؛ و«الإيضاح» للفضل بن شاذان، ص 166 إلي 171، رقم 1347، طبعة جامعة طهران. ذكر ذلك برواية فقهاء المدينة، وذكر في آخرها أنَّ ابن عبّاس قال: مَا زِلْتُ أعْرِفُ الغَضَبَ في وَجْهِهِ حَتَّى هَلَك.
و نقل ابن أبي الحديد هذه القصّة في «شرح نهج البلاغة» عند بيان سيرة عمر، وذلك في الجزء الثالث من طبعة مصر سنة 1329 هـ، ص 107 برواية عبد الله بن عمر. وذكرها ابن الأثير في ترجمة عمر، ج 3، ص 24، أحداث سنة 23. ونقلها السيوطيّ في ترجمة زهير بن أبي سلمي ضمن «شرح شواهد مغني اللبيب» مع تعليقة الشنقيطيّ، ج 1، ص 132، طبعة لجنة التراث العربيّ، وذلك نقلًا عن «الأغانيّ» عن سعيد بن المسيّب. وقال السيوطي في ص 131: زهير بن أبي سلمي بضمّ السين. وليس في العرب سُلمى بالضمّ غيره. واسم أبي سُلمى: ربيعة بن رِياح.
و نقل ابن أبي الحديد في آخر هذه القصّة: لمّا قام عبد الله بن عبّاس ومضي، قال عمر لجلسائه: وَاهاً لِابْنِ عَبَّاسٍ! مَا رَأيْتُهُ لَا حَي أحَداً قَطُّ إلَّا خَصَمَهُ.
[6] «العقد الفريد» ج 3، ص 77، الطبعة الاولي، سنة 1331 هـ؛ وطبعة مكتبة النهضة المصريّة، ج 4، ص 280.
[7] «تاريخ ابن خلدون» ج 3، ص 171.
[8] «تاريخ التمدّن الإسلاميّ» لجرجي زيدان، ج 1، ص 53. والشاهد على كلام جرجي زيدان، خطاب عمر لابن عبّاس في الحديث الذي نقلناه أخيراً عن الطبرسيّ. ووفقاً للعبارة التي أوردها ابن أبي الحديد في ج 3 من «شرح نهج البلاغة» ص 107، طبعة مصر سنة 1329 هـ، ضمن كلام عمر لابن عبّاس: كَرِهَتْ قُرَيْشٌ أنْ تَجْتَمِعَ لَكُمُ النُّبُوَّةُ والخِلافَةُ فَتَجْحَفُوا النَّاسَ جَحْفَاً، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ لِنَفْسِهَا فَاخْتَارَتْ، ووُفِّقَتْ فَأصَابَتْ.
فقال ابن عبّاس: وأمَّا قَولُكَ: إنَّا كُنَّا نَجْحَفُ، فَلَوْ جَحَفْنَا بِالخِلَافَةِ، جَحَفْنَا بِالقَرَابَةِ ولَكِنَّا قَوْمٌ أخْلَاقُنَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ خُلْقِ رَسُولِ اللهِ الذي قَالَ اللهُ تعالى لَهُ: {وَ إنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}. وقَالَ لَهُ: {وَ اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
إلى أن قال له عمر: على رِسْلَكَ يَا بْنَ عَبَّاسٍ! أبَتْ قُلُوبُكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ إلَّا غِشّاً في أمْرِ قُرَيْشٍ لَا يَزُولُ، وحِقْدَاً لَا يَحُولُ. فقال ابن عبّاس بعد الاستشهاد بآية التطهير: وأمَّا قَوْلُكَ حِقْدَاً، فَكَيْفَ لَا يَحْقِدُ مَنْ غُصِبَ شَيْئُهُ ويَرَاهُ في يَدِ غَيْرِهِ؟ ... إلى آخره.
[9] الآية 54، من السورة 4: النساء.
[10] «حلية الأولياء» ج 1، ص 64؛ و«كفاية الطالب» ص 67 طبعة النجف.
[11] «نفس المصدر السابق».
[12] «شرح نهج البلاغة» تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 2، ص 55، ضمن شرح الخطبة 26، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة؛ و«صحيح مسلم» ج 3، ص 1259؛ و«الطبقات» لابن سعد، ج 2، ص 244، طبعة بيروت، سنة 1376 هـ. ونقل سليم بن قيس الهلاليّ هذا الحديث في كتابه، ص 209 و210 كالآتي: قال سُليم: إنِّي لعند عبد الله بن عبَّاس في بيته وعنده رهط من الشيعة، فذكروا رسول الله صلّى الله عليه وآله وموته، فبكى ابن عبّاس وقال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يومَ الاثنين وهو اليوم الذي قبض فيه وحوله أهل بيته وثلاثون رجلًا من أصحابه: إئتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدي ولا تختلفوا بعدي. فقال رجلٌ منهم: إنَّ رسول الله يهجر. فغضب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: إنّي أراكم تختلفون وأنا حيّ فكيف بعد موتي! فترك الكتف.
و قال ابن أبي الحديد بعد عرض هذا الحديث بالعبارة التي ذكرناها: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان محمّد بن إسماعيل البخاريّ، ومسلم بن الحجّاج القشيريّ في صحيحيهما؛ واتّفق المحدّثون كافّة على روايته.
[13] إنَّ الروايات التي ضمّت كلام عمر: لا تأتوه بشيء فإنّه قد غلبه الوجع، جاءت في كتاب «الأمالي» للشيخ المفيد، بسنده المتّصل، ص 36 و37؛ وفي «بحار الأنوار» ج 6، ص 787 نقلًا عن «الأمالي». وأمّا قول عمر: إنَّ الرَّجُلَ لَيَهْجُرُ، عن ابن عمر في غير كتاب الحميديّ في «الجمع بين الصحيحين»، («مسند البخاريّ» و«مسند أحمد») وبلفظ: مَا شَأنهُ هَجَر من كتاب الحميديّ، نقله السيّد ابن طاووس في «الطرائف»، ونقله المجلسيّ عنه في «بحار الأنوار» ج 8، ص 274. وذكر المجلسيّ الأخبار في هذا الباب من كتب العامّة في موضعين: الأوّل: في سيرة الرسول الأعظم ووصيّه، ج 6، ص 787. الثاني: في كتاب الفتن الواقعة بعد الرسول في باب مثالب عمر في الطعن الأوّل، ج 8، ص 273 و274، ثمّ فصّل في هذا الموضوع الذي استغرق عدداً من الصفحات. وقال في ج 6: خبر طلب رسول الله الدواة والكتف ومنع عمر من ذلك مع اختلاف ألفاظه متواتر بالمعنى. وأورده البخاريّ ومسلم وغيرهما من محدّثي العامّة في صحاحهم. وقد أورده البخاريّ في مواضع من صحيحه، منها في الصفحة الثانية من مفتتحه. وقال: وكفى بذلك له كفراً وعناداً، وكفى به لمن اتّخذه مع ذلك خليفة وإماماً جهلًا وضلالًا. وقال في ج 8، ص 274: قال السيّد رضيّ الدين بن طاووس في كتاب «الطرائف»: ومن أعظم طرائف المسلمين أنهم شهدوا جميعاً أنَّ نبيّهم أراد عند وفاته أن يكتب لهم كتاباً لا يضلّون بعده أبداً، وأنَّ عمر بن الخطّاب كان سبب منعه من ذلك، وسبب ضلال من ضلّ من امّته، وسبب اختلافهم وسفك الدماء بينهم، وتلف الأموال واختلاف الشريعة، وهلاك اثنتين وسبعين فرقة من أصل فرق الإسلام، وسبب خلود من يخلد في النار منهم. ومع هذا كلّه فإنَّ أكثرهم أطاع عمر بن الخطّاب الذي قد شهدوا عليه بهذه الأحوال في الخلافة، وعظّموه، وكفّروا بعد ذلك مَن يطعن فيه!
[14] «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 2، ص 242.
[15] «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 436؛ و«البداية والنهاية» ج 5، ص 227؛ و«الكامل في التاريخ» ج 2، ص 217؛ و«شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 1، ص 133، الطبعة ذات الأربعة أجزاء.
الاكثر قراءة في النبوة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)