فِتنةُ الناكثينَ ومحنةُ وقعَةِ الجمَلِ

بقلم : الشيخ حسن عبد الهادي اللامي

بُويِعَ الإمامُ عليٌّ –عليه السّلام-خليفةً للمسلمين بيعةً اختياريّةً، وذلك بعد مقتل عثمان بسبعة أيام في 25 ذي الحجّة عام 35 هجرية، وكانت الأوضاع الاجتماعيّة مضطربةً، والجانب السياسيّ ملتهباً، والكيان الحكوميّ للدولةِ الإسلاميةِ قد اهتزّتْ أركانه بسبب السياسة المغلوطة السابقة فواجه الإمام عليّ -عليه السّلام-مسؤوليتان:

الأولى: إصلاح النظام الحكومي، وكسب ثقة الجماهير، وتطمينهم بسريان القوانين المنصفة، واعطاء كل ذي حقٍّ حقه، وبتر أيّ يدٍ تريد تقويض العدالة في كل حقول الحياة ومستوياتها وطبقاتها.

والثانية: هي إجراء تعديلاتٍ على ولاية الأمصار، وتغييراتٍ في شخوص الولاة والقادة والحكّام.

كما وأنه (ع) أفصح عن منهجه قائلاً (...فإنّ في العدلِ سعة، ومن ضاقَ عليهِ العدلُ فالجورُ عليهِ أضيَقُ).

وبعد إنفاذ رسله بعزل الولاة الفاسدين ونصب من وقع اختياره عليهم واجه(ع) الغدّة السرطانية الأمويّة معاوية بن أبي سفيان، الذي تمرّد على حكومة الإمام علي، وبغى على الحكم والنظام.

لقد بدأت إرهاصات الفتن بعد أن أحسّ كثيرٌ من الصحابة والقريبين من دار الخلافة بإفلاسهم من الحصول على مناصب وزارية في الحكومة الجديدة؛ لأن عدل عليٍّ وصرامته في إقامة حكومة تسير على نهج النبي محمد (ص) بعيداً عن المحاباة والتحيّز والطبقيّة أثارتْ قلق المحيطين ممن كانوا يعيشون الترف والبذخ والتسلط إبّان فترة الخلفاء السابقين! كما وصُدم بعضهم ووقع في حيرة بين رغبات السلطة وسيرة الخليفة الصارمة بالحقّ، مما جعلهم يتصيدون الفرص لركوب الموجات ودعم التكتلات المناوئة لحكومة علي.

وبالفعل فقد التحق الصحابيان طلحة والزبير بكتلة المعارضة المكيّة ناكثين بيعتهما،

حيث أن السيدة عائشة بنت أبي بكر التي رفضتْ بيعة الإمام عليٍّ، وشكّلتْ حزباً معارضاً في مكّة المكرمة، ونالتْ دعم الصحابيين طلحة والزبير وأبنائهم وأبناء وحاشية الخليفة المقتول: أبان بن عثمان ومروان وغيرهما؛ ورفعوا شعار المطالبة بدم عثمان والثائر لدم الخليفة المقتول، ووجّهوا إصبع الاتهام الى الإمام عليّ بأنه كانَ محرّضاً على قتل عثمان!!!

بينما كان جملةٌ من قاتلي عثمان والمشاركين بقتله هم في حزب وكتلة السيدة عائشة التي هي أيضاً كانت من المؤلّبين عليه كما تروي بعض المصادر، غير أنهم سارعوا الى التعمية وتزوير الحقائق!

وهكذا اجتمعت الآراء على إرباك حكومة الإمام علي الفتيّة، واشتدت الأزمة وتعمق الاضطراب في بلدان الحاضرة الإسلامية، ووقعت الجماهير في حيرة بين الانضمام الى جبهة المعارضة بقيادة السيدة عائشة وجملة من الصحابة وبني أمية، وبين بيعة الخليفة الحق!؟؟

سار ركب المعارضة بقيادة السيدة عائشة والناكثين لبيعة الإمام علي الى أرض البصرة التي كان عليها والي أمير المؤمنين عثمان بن حنيف، كما واجهت السيدة عائشة محنةً شخصيّةً جعلتها تعزم على إنهاء خروجها والعودة الى الحجاز؛ حيث أنها مرّت بماء الحوأب فنبحتها كلابها، فقالت: "أيُّ ماءٍ هذا فقالوا الحوأب فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون إني لهيَ! قد سمعت رسول الله (ص) يقول وعنده نساؤه ليت شعري أيّتكنَّ تنبحها كلاب الحوأب !!"

فهمّت بالرجوع على إثر ذلك خشية أن تنطبق عليها نبوءة النبي(ص) فتكون من اللواتي أحدثن بعدهُ ما يخالف الطريقة الحقّة لزوجات النبي من لزوم البيت ...؛ ولكن ابن أختها عبدالله بن الزبير كان متحمساً لخوض هذه المواجهة مع الحكومة الجديدة  إذ كان أحد الأقطاب الداعمة لتأجيج الحرب ضد الإمام علي فاجتهد على ثني عزمها وتهدئتها وهكذا مضت السيدة عائشة على جملها نحو البصرة لتدخلها بصحبة جيشها المكي ويسيطروا على مدينة البصرة بعد مناوشات قتالية خفيفة انتهت بأسر واليها عبر الحيل والمكر ثم خلعه ، كما وهيمنوا على مواردها ...

واستطاع طلحة والزبير ان يستقطبوا بعضاً من رجال ووجهاء البصرة لنصرة جيش أم المؤمنين ليطالبوا بدم عثمان غير أن الإمام علي لحق بهذه الفئات الناكثة والمنشقة عن النظام ليعالج الأمر بالحوار والرفق عسى أن تؤول الأمور الى إخماد هذه الفتن وتحقن الدماء ؛ فبعث وفداً الى السيدة عائشة لغرض ثنيها عن هذه التحركات التي لا يستفيد منها أحد غير أعداء علي وأن الخليفة هو أحق الناس للطلب بدم الخليفة المقتول عثمان؛ لأنه قائد الدولة الأول ومن مسؤولياته تحقيق العدالة، ولكن دون جدوى؛ لأن السيدة كانت عازمة على خوض المواجهة !

كما وعظ الإمام علي(ع) وذكّر طلحة والزبير بعواقب هذه المواجهة ورجى الإمام علي أن يعودا الى رشدهما ولكن دون جدوى ...

وحصلت المواجهة الكبرى والتقى الجمعان وتقاتلا حتى كتب الله تعالى النصر لوليه وخليفة المسلمين وأمير المؤمنين على (ع) وهزم جيش عائشة وقتل طلحة والزبير، ولكن الغريب أن المصادر تروي أن قاتل طلحة هو مروان بن الحكم الذي كان في جيش عائشة قد قتله غيلةً مطالباً بدم عثمان؛ وكان قاتل الزبير شخصاً منحرفاً صار فيما بعد من الخوارج!

ثم أنّ الإمام علي أمر بإكرام السيدة عائشة وحملها الى الحجاز بعد أن وكّل بها عدّة نساء لخدمتها، ورجال لحمايتها مع هدايا مالية ليحملوها معزّزة ومكرّمة الى بلاد الحجاز، بينما فرّ مروان وعدّة من رؤوس الفتنة الى الشام ليلتحقوا بمعاوية.

وهكذا انتهت موقعة الجمل بأن نصر الله الإمام علياً عليه السلام وكان ذلك في جمادى الأول؛ وقيل جمادى الآخرة سنة 36 هـ، وقد اختلفت كلمة المؤرخين في عدد قتلى معركة الجمل، ففي روايةٍ أنه قُتِل يوم الجمل (2500) من أهل البصرة، وفي رواياتٍ أخرى أن عدد القتلى من أصحاب الجمل يتراوح ما بين (6000 و25000)

وأما الشهداء من جيش الإمام (ع) فقد تراوح ما بين (400 و5000) شهيداً.

المزيد

ENGLISH

بحث في العناوين     بحث في المحتوى     بحث في اسماء الكتب     بحث في اسماء المؤلفين

القرأن الكريم وعلومه
العقائد الأسلامية
الفقه الأسلامي
علم الرجال
السيرة النبوية
الاخلاق والادعية
اللغة العربية وعلومها
الأدب العربي
الأسرة والمجتمع
التاريخ
الأدارة والاقتصاد
علم الفيزياء
علم الكيمياء
علم الأحياء
الرياضيات
الزراعة
الجغرافية
القانون
الإعلام

رمز الامان : 3218