0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
التحولات القانونية للوجود العسكري الأجنبي في العراق "9 نيسان 2003–30 أيلول 2026": دراسة في السند القانوني والسيادة

منذ 1 ساعة
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :64
التحولات القانونية للوجود العسكري الأجنبي في العراق "9 نيسان 2003–30 أيلول 2026": دراسة في السند القانوني والسيادة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
01/10/2026
مقدمة
في الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية اكتمال مغادرة القوات والمعدات الأمريكية قاعدة أربيل الجوية، وانتهاء مهمة عملية "العزم الصلب" في العراق، والانتقال إلى علاقة دفاعية ثنائية بين العراق والولايات المتحدة.
ويعيد هذا الحدث إلى الواجهة مفهوم "السيادة"، لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالًا قانونيًا أكثر تعقيدًا من المشهد السياسي أو الاحتفالي: ما الذي انتهى في 30 أيلول/سبتمبر 2026 تحديدًا؟ هل انتهى الوجود العسكري الأجنبي في العراق، أم انتهت مهمة عسكرية محددة هي مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش؟ وهل يمثل وجود عسكريين أجانب يعملون ضمن بعثة دبلوماسية أو في إطار تعاون دفاعي ثنائي استمرارًا للوجود العسكري بالمعنى نفسه الذي كانت تمثله قوة متعددة الجنسيات أو تحالف عسكري عملياتي؟
لا يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال التعامل مع المدة الممتدة من 2003 إلى 2026 بوصفها وجودًا عسكريًا واحدًا متصلًا؛ لأن السند القانوني لهذا الوجود تغير عدة مرات. فقد بدأ باحتلال عسكري، ثم تحول إلى قوة متعددة الجنسيات تعمل في إطار قرارات مجلس الأمن، ثم انتقل بعد انتهاء التفويض الدولي إلى اتفاق ثنائي عراقي–أمريكي، وانتهى ذلك الوجود في نهاية عام 2011. وبعد ظهور تنظيم داعش عاد عسكريون أمريكيون وقوات من دول أخرى عام 2014 بناءً على طلب جديد من الحكومة العراقية وترتيبات قانونية جديدة، ثم تغيرت طبيعة المهمة مرة أخرى في نهاية 2021، قبل أن يبدأ مسار إنهاء مهمة التحالف وصولًا إلى 30 أيلول/سبتمبر 2026.
لذلك لا تنطلق هذه الدراسة من افتراض مسبق بأن الوجود العسكري الأجنبي انتهى بالكامل، ولا من افتراض معاكس بأنه لم ينته أصلًا، وإنما تعيد بناء السلسلة القانونية لهذا الوجود اعتمادًا على قرارات مجلس الأمن، والرسائل العراقية الموجهة إليه، والاتفاقيات العراقية–الأمريكية، والمذكرات الدبلوماسية، والبيانات الرسمية، والوثائق المتعلقة بإنهاء مهمة التحالف.
وتعتمد الدراسة تمييزًا أساسيًا بين أربعة أوضاع كثيرًا ما تختلط في الخطاب السياسي والإعلامي: وجود قوة عسكرية أجنبية، ووجود أفراد عسكريين أجانب، ووجود عسكريين معتمدين ضمن بعثة دبلوماسية، ووجود تعاون أمني أو دفاعي لا يستلزم بالضرورة انتشار قوة عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية.
ومن دون هذا التمييز يصبح الحديث عن السيادة أقرب إلى الشعار منه إلى توصيف قانوني يمكن اختباره بالوثائق.
أولًا: من الاحتلال إلى القوة متعددة الجنسيات
بدأ الوجود العسكري الأمريكي والبريطاني وحلفائهما في العراق عام 2003 في سياق مختلف جذريًا عن المراحل القانونية التي تلته. فالقوات التي دخلت العراق لم تدخل بناءً على طلب أو اتفاق مع حكومة عراقية، ولم يصدر عن مجلس الأمن في عام 2003 قرار جديد وصريح يجيز غزو العراق أو استخدام القوة لإسقاط نظامه السياسي.
وقد استندت الولايات المتحدة وبريطانيا في تبريرهما القانوني للعمل العسكري إلى تفسير يربط بين قرارات مجلس الأمن السابقة، ولا سيما القرارات 678 و687 و1441، معتبرتين أن هذه القرارات وفرت أساسًا لاستخدام القوة. غير أن هذا التفسير كان موضع خلاف دولي وقانوني واسع، ولا سيما أن القرار 1441 نفسه لم يتضمن نصًا صريحًا يجيز استخدام القوة أو يقرر تلقائية اللجوء إليها عند الإخلال بالتزامات الواردة فيه. بل إن الولايات المتحدة وبريطانيا أكدتا عند اعتماد القرار في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2002 أنه لا يتضمن تفويضًا تلقائيًا باستخدام القوة؛ إذ أعلن المندوب الأمريكي أن القرار لا يتضمن "محفزات خفية ولا تلقائية" لاستخدامها، فيما أكد المندوب البريطاني أن أي إخفاق عراقي سيعود إلى مجلس الأمن لمناقشته.
ومن ثم فإن العمل العسكري الذي بدأ في آذار/مارس 2003 لم يستند إلى طلب من حكومة عراقية، ولا إلى اتفاق ثنائي ينظم دخول القوات ووضعها، كما لم يصدر بشأنه قرار جديد وصريح من مجلس الأمن يجيز استخدام القوة. أما الاستناد الأمريكي والبريطاني إلى القرارات السابقة فظل تفسيرًا قانونيًا تبنته الدولتان ولم يتحول إلى تفويض جديد صادر عن مجلس الأمن يقر صراحة الحرب التي بدأت في عام 2003.
ومع إعادة بناء المؤسسات العراقية وانتقال السلطة إليها تغيرت الطبيعة القانونية لهذا الوجود.
وكان قرار مجلس الأمن 1546 لسنة 2004 من أهم نقاط التحول؛ إذ رحب بتشكيل الحكومة العراقية المؤقتة وبانتهاء الاحتلال وانتقال السلطة، وفي الوقت نفسه أكد وجود القوة متعددة الجنسيات في العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية ومنحها مهام تتعلق بالأمن والاستقرار.
وهنا يظهر أول تمييز مهم: انتهاء الاحتلال قانونيًا لم يؤد إلى خروج القوات الأجنبية، وإنما غيّر السند القانوني لوجودها.
كما يقتضي فهم القرار 1546 التمييز بين وظيفتين للقوة متعددة الجنسيات وردتا في القرار والرسالتين الملحقتين به، من دون فصلهما عن الإطار القانوني العام الذي أنشأه القرار.
فالوظيفة الأولى كانت المساهمة في حفظ الأمن والاستقرار في العراق. وقد نصت الفقرة 10 على منح القوة متعددة الجنسيات سلطة اتخاذ "جميع التدابير اللازمة" للمساهمة في حفظ الأمن والاستقرار، استنادًا إلى طلب الحكومة العراقية وبالرجوع إلى المهمات والترتيبات المبينة في الرسالتين الملحقتين بالقرار. ولم يكن هذا التفويض مقصورًا على التدريب أو تقديم المشورة؛ إذ أوضحت رسالة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أنه يشمل طيفًا واسعًا من المهمات الأمنية، بما فيها مكافحة الجماعات المسلحة والعمليات القتالية وغيرها من الإجراءات التي عدّتها القوة ضرورية لمواجهة التهديدات الأمنية.
غير أن هذه الصلاحيات لم توضع في إطار سلطة عسكرية أجنبية مستقلة عن الدولة العراقية بعد انتهاء الاحتلال. فالقرار 1546 أكد أهمية موافقة الحكومة العراقية ذات السيادة على وجود القوة، ونصت رسالة رئيس الوزراء إياد علاوي على أن مسؤولية الأمن هي مسؤولية عراقية، وأن القوات الأمنية العراقية تخضع للوزراء العراقيين المختصين، وعلى إنشاء هياكل للتنسيق بين الحكومة العراقية والقوة متعددة الجنسيات على المستويات الوطني والإقليمي والمحلي. كما نصت الرسالتان على التشاور وتبادل المعلومات والتنسيق المستمر، وعلى أن تكون هذه الهياكل إطارًا للتوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الأمنية والسياسية الأساسية، بما فيها السياسة المتعلقة بالعمليات الهجومية الحساسة.
أما الوظيفة الثانية فكانت حماية وجود الأمم المتحدة في العراق. وهذه لم ترد بوصفها مجرد تعبير آخر عن المهمة الأمنية العامة، وإنما أفرد لها القرار 1546 معالجة مستقلة؛ إذ نصت الفقرة 13 على إنشاء كيان متميز تحت القيادة الموحدة للقوة متعددة الجنسيات تكون له مهمة مخصصة لتوفير الأمن للوجود الأممي في العراق. وتوضح رسالة وزير الخارجية الأمريكي كولن باول أن التصور كان إنشاء قوة بحجم لواء تقريبًا تتولى حماية موظفي الأمم المتحدة ومنشآتها، بما في ذلك الحماية الثابتة والمحيطية ومرافقة قوافل بعثة الأمم المتحدة.
وبذلك كانت حماية الأمم المتحدة إحدى مهمات القوة متعددة الجنسيات، لكنها كانت مهمة محددة ومتميزة داخل التفويض الأوسع، ولم تكن السند الوحيد لوجود القوة ولا الغرض الوحيد منه. وفي المقابل، كان التفويض الأمني العام أوسع من حماية الوجود الأممي، لكنه ظل مرتبطًا بطلب الحكومة العراقية وبمنظومة من الشراكة والتنسيق والتشاور معها.
ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في المراحل اللاحقة؛ لأن استمرار بعثة الأمم المتحدة في العراق لا يعني بذاته استمرار التفويض بجميع الوظائف التي كانت ممنوحة للقوة متعددة الجنسيات. فحماية الوجود الأممي كانت وظيفة محددة داخل ذلك التفويض، ولا يجوز تحويل استمرار الحاجة إليها إلى سند مستقل ومفتوح المدة لاستمرار بقية المهمات العسكرية التي نظمها القرار 1546.
ثانيًا: التمديد الأخير ونهاية التفويض الدولي
في رسالة مؤرخة في 7 كانون الأول/ديسمبر 2007 طلب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تمديد ولاية القوة متعددة الجنسيات لمدة اثني عشر شهرًا، مع وصف التمديد بأنه الأخير وإبقاء حق الحكومة العراقية في طلب إنهائه قبل موعده.
وبناء على ذلك أصدر مجلس الأمن القرار 1790 في 18 كانون الأول/ديسمبر 2007، ومدد ولاية القوة حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2008، مع النص على مراجعة التفويض وإمكان إنهائه مبكرًا إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك. كما استمر إلزام الولايات المتحدة، نيابة عن القوة متعددة الجنسيات، بتقديم تقارير فصلية إلى مجلس الأمن.
وهنا توجد نقطة قانونية فاصلة:
31 كانون الأول/ديسمبر 2008 هو تاريخ انتهاء تفويض مجلس الأمن للقوة متعددة الجنسيات.
ولا يعني ذلك أن جميع القوات الأمريكية غادرت العراق في اليوم التالي؛ بل يعني أن السند الدولي الذي حكم وجود القوة متعددة الجنسيات انتهى، ليحل محله بالنسبة إلى القوات الأمريكية سند قانوني مختلف.
ثالثًا: اتفاقية 2008 والانتقال إلى السند الثنائي
في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2008 وقعت جمهورية العراق والولايات المتحدة "الاتفاقية بشأن انسحاب قوات الولايات المتحدة من العراق وتنظيم أنشطتها خلال وجودها المؤقت فيه"، ودخلت حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/يناير 2009. والنص الرسمي للاتفاقية يحدد غرضها بتنظيم الوجود المؤقت للقوات الأمريكية وأنشطتها وانسحابها من العراق.
وقد وافق مجلس النواب العراقي على اتفاقية الانسحاب واتفاقية الإطار الاستراتيجي في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2008.
وبذلك لم يعد وجود القوات الأمريكية بعد 31 كانون الأول/ديسمبر 2008 قائمًا على تفويض مجلس الأمن.
وأصبحت لدينا مرحلتان قانونيتان مختلفتان:
2004–2008 ← قوة متعددة الجنسيات ذات سند من مجلس الأمن وموافقة عراقية.
2009–2011 ← قوات أمريكية يحكم وجودها اتفاق ثنائي عراقي–أمريكي.
وحددت اتفاقية 2008 جدولًا واضحًا للانسحاب: الخروج من المدن والقرى والقصبات بحلول 30 حزيران/يونيو 2009، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من جميع الأراضي العراقية في موعد أقصاه 31 كانون الأول/ديسمبر 2011.
كما نظمت الاتفاقية مسألة الاختصاص القضائي، وأقامت نظامًا لتوزيع الاختصاص بين العراق والولايات المتحدة في حالات محددة، بما فيها بعض الجرائم الجسيمة المتعمدة المرتكبة خارج الواجب وخارج المنشآت والمناطق المتفق عليها.
وتبرز هنا أهمية الاتفاقية بوصفها أكثر من مجرد جدول زمني للانسحاب؛ فقد نظمت الوجود العسكري نفسه ووضع أفراده وأنشطتهم واختصاص القضاء عليهم.
رابعًا: نهاية 2011 والانقطاع القانوني
انتهت اتفاقية 2008 في 31 كانون الأول/ديسمبر 2011. وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أن الاتفاقية وترتيبات الوضع القانوني المرتبطة بها انتهت في ذلك التاريخ، وأن العراق والولايات المتحدة لم يتوصلا إلى "اتفاقية وضع القوات" "Status of Forces Agreement – SOFA" لاحقة تسمح باستمرار الوجود العسكري بالصورة السابقة.
وهذه النقطة تجعل نهاية 2011 مختلفة عن نهاية 2008.
ففي نهاية 2008 انتهى تفويض دولي، لكن اتفاقًا ثنائيًا دخل حيز التنفيذ في اليوم التالي.
أما في نهاية 2011 فقد انتهت الاتفاقية التي كانت تنظم وجود القوات الأمريكية من دون اتفاق جديد يحافظ على ذلك الانتشار العسكري.
وبذلك يمثل 31 كانون الأول/ديسمبر 2011 انقطاعًا قانونيًا حقيقيًا في نمط الوجود العسكري الأمريكي الذي بدأ عام 2003؛ فقد انتهت القوة التي كان وجودها منظمًا باتفاقية عام 2008، من دون أن يعني ذلك خروج كل عسكري أمريكي من العراق أو انتهاء كل أشكال التعاون الأمني بين البلدين.
وهنا تبدأ مرحلة مختلفة قانونيًا ومؤسسيًا، انتقل فيها عدد من العسكريين الأمريكيين من إطار القوة المنتشرة بموجب اتفاقية عسكرية إلى إطار التعاون الأمني المرتبط بالبعثة الدبلوماسية الأمريكية.
لكن انتهاء انتشار القوات لم يعن انتهاء كل وجود أمريكي؛ فقد بقيت السفارة، واستمرت برامج التعاون الأمني ومبيعات الأسلحة والتدريب، ومنها ما ارتبط بمكتب التعاون الأمني في العراق.
وهنا يجب التمييز بين وجود عسكريين يعملون ضمن بنية دبلوماسية أو تعاون أمني وبين انتشار قوة عسكرية أجنبية.
خامسًا: 2012–2014… هل انتهى الوجود العسكري أم تغيرت صفته القانونية؟
يمثل ما جرى بين انسحاب القوات الأمريكية في نهاية عام 2011 وعودتها لمواجهة تنظيم داعش في عام 2014 حلقة قانونية لا يمكن تجاوزها؛ لأنها تكشف أن انتهاء اتفاقية وضع القوات لم يؤد إلى انقطاع كل وجود لعسكريين أمريكيين داخل العراق، وإن كان قد أنهى وجود القوات الأمريكية بالصورة التي نظمتها اتفاقية عام 2008.
فقد نصت تلك الاتفاقية بوضوح على انسحاب "جميع قوات الولايات المتحدة من جميع الأراضي والمياه والأجواء العراقية" في موعد لا يتجاوز 31 كانون الأول/ديسمبر 2011، وهو ما تم بالفعل بالنسبة إلى القوة العسكرية التي كانت تعمل بموجب الاتفاقية.
لكن انتهاء تلك القوة لم يعن انتهاء كل نشاط عسكري أمريكي داخل العراق.
فبعد الانسحاب واصل "مكتب التعاون الأمني في العراق" "Office of Security Cooperation-Iraq – OSC-I" عمله تحت سلطة السفارة الأمريكية في بغداد. وتصفه الوثائق الأمريكية بأنه الجهة التي تولت بعد انسحاب القوات جانبًا من مهام التدريب والمشورة والتعاون الأمني وإدارة المبيعات العسكرية الأجنبية.
ومن هنا ينبغي التمييز بين عبارتين تبدوان متشابهتين ولكنهما مختلفتان قانونيًا:
انسحاب القوات الأمريكية في 2011 لا يساوي بالضرورة خروج كل فرد ينتمي إلى القوات المسلحة الأمريكية من العراق.
من القوة العسكرية إلى مكتب داخل البعثة الدبلوماسية
تكشف وثائق مكتب المساءلة الحكومي الأمريكي "Government Accountability Office – GAO" أن التخطيط لمكتب التعاون الأمني سبق اكتمال الانسحاب. ففي حزيران/يونيو 2011 كانت وزارة الدفاع الأمريكية تخطط لبقاء أفراد تابعين لها في عدد من المواقع داخل العراق، وأن تشمل مهام المكتب التدريب والمشورة والتجهيز والتعليم العسكري والتخطيط لتدريبات مشتركة وإدارة برامج المبيعات العسكرية.
لكن التقرير نفسه يكشف أن هذه الترتيبات لم تكن قد اكتملت قانونيًا في ذلك الوقت.
فحتى حزيران/يونيو 2011، بحسب التقرير، لم تكن الحكومة العراقية قد أعطت موافقتها النهائية على الوجود المقترح للمكتب، ولم تكن اتفاقات استخدام المواقع الخاصة به قد وُقعت. وكان الجانب الأمريكي يتعامل مع "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" بوصفها المظلة العامة لأنشطة التعاون الأمني، في الوقت الذي كانت فيه تفاصيل وضع الأفراد والمواقع لا تزال قيد التفاوض.
وكانت المشكلة الأساسية واضحة: اتفاقية وضع القوات "Status of Forces Agreement – SOFA" ستنتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر 2011، ولم يكن هناك اتفاق جديد يحل محلها.
ولهذا اتجه التخطيط الأمريكي إلى نموذج قانوني مختلف: بدل إبقاء هؤلاء العسكريين ضمن قوة أمريكية تعمل تحت قيادة عسكرية عملياتية، يجري وضعهم تحت سلطة رئيس البعثة الدبلوماسية واعتمادهم، حيثما توافق الحكومة العراقية، ضمن "الطاقم الإداري والفني" للبعثة الدبلوماسية، بما يرتبط بهذه الصفة من امتيازات وحصانات وفق اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.
وهنا تغيرت الصفة القانونية للوجود.
فالعسكري لم يعد موجودًا في العراق بصفته فردًا في قوة أمريكية منتشرة بموجب اتفاقية وضع قوات، وإنما أصبح ــ وفق الترتيب الذي تصفه الوثائق الأمريكية ــ عسكريًا أمريكيًا يعمل تحت سلطة البعثة الدبلوماسية.
علم المؤسسات العراقية بوجود المكتب
من المهم هنا التمييز بين العلم المؤسسي بوجود "مكتب التعاون الأمني في العراق" وبين وجود سند تشريعي منشور ينظم وضع أفراده واختصاصاتهم وحصاناتهم.
فالوثائق المتاحة لا تسمح بالقول إن إنشاء المكتب أو استمرار نشاطه جرى بعيدًا عن علم المؤسسات العراقية. وتشير وثيقة رسمية صادرة عن المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية إلى أن رئيس "مكتب التعاون الأمني في العراق" خاطب مجلس النواب العراقي في جلسة بتاريخ 25 كانون الأول/ديسمبر 2011 بشأن المكتب.
كما أن وجود المكتب ونشاطه لم يكونا سريين خلال السنوات التالية، وظهر مسؤولوه في اجتماعات رسمية مع السلطات العراقية.
ومن ثم فإن السؤال القانوني لا يتعلق بما إذا كانت المؤسسات العراقية تعلم بوجود المكتب، وإنما بطبيعة الأداة القانونية التي اعتمد بموجبها العسكريون العاملون فيه أعضاءً في البعثة الدبلوماسية، وحدود المهمات التي سمح لهم بأدائها، والأساس الذي منحت بموجبه لهم الامتيازات والحصانات.
فالعلم السياسي والمؤسسي شيء، والموافقة التنفيذية شيء آخر، أما وجود سند قانوني منشور يحدد الوضع والاختصاص والحصانات فهو مسألة ثالثة ينبغي عدم الخلط بينها وبين الأمرين السابقين.
والسؤال الأدق هو:
ما الأداة القانونية العراقية التي اعتمد بموجبها هؤلاء العسكريون أعضاءً في البعثة الدبلوماسية، وما حدود المهمات التي سمح لهم بأدائها، وما الأساس الذي منحت بموجبه لهم الامتيازات والحصانات؟
أزمة الحصانة لم تختفِ وإنما تغير إطارها
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة إذا عدنا إلى الأسابيع الأخيرة من عام 2011.
فقد ناقشت القوى السياسية العراقية، في اجتماع استضافه رئيس الجمهورية جلال طالباني في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2011، مسألة بقاء مدربين أمريكيين بعد انتهاء الاتفاقية. وأعلنت موافقتها على الحاجة إلى التدريب، لكنها رفضت منح القوات أو المدربين الأمريكيين الحصانة التي كانت الولايات المتحدة تطالب بها لاستمرار قوة عسكرية بعد نهاية الاتفاقية.
وهذا يعني أن رئيس الجمهورية والقوى السياسية ومؤسسات الدولة لم تكن غائبة عن مشكلة استمرار وجود العسكريين الأمريكيين بعد 2011، بل كانت مسألة الحصانة نفسها إحدى العقد التي حالت دون التوصل إلى اتفاق جديد لوضع القوات.
لكن ما حدث بعد ذلك يستحق التوقف.
فبدل إبرام اتفاق جديد لبقاء قوة أمريكية تتمتع بحصانة عسكرية خاصة، أصبح أفراد مكتب التعاون الأمني يعملون تحت سلطة رئيس البعثة الدبلوماسية.
وتذكر دراسة قانونية منشورة من قبل الجيش الأمريكي أن وزارة الخارجية الأمريكية تفاوضت مع الحكومة العراقية بشأن وضع أفراد المكتب، وأن النتيجة كانت منحهم امتيازات وحصانات تعادل ما يتمتع به أعضاء "الطاقم الإداري والفني" في البعثة الدبلوماسية.
وهنا يظهر تحول قانوني بالغ الأهمية: فالحصانة التي رفضتها القوى السياسية العراقية إذا ارتبطت ببقاء قوة عسكرية أمريكية بعد انتهاء اتفاقية 2008 لم تعد، بعد الانسحاب، تطرح في إطار "حصانة قوة عسكرية"، وإنما في إطار الامتيازات والحصانات الدبلوماسية لأفراد عسكريين يعملون ضمن البعثة الأمريكية.
ولا يثبت هذا التحول، بذاته، وجود مخالفة دستورية أو التفاف على رفض منح الحصانة للقوات؛ فالقانون الدبلوماسي يتيح للدولة المستقبلة اعتماد أفراد ضمن البعثة ومنحهم الوضع القانوني الذي توافق عليه.
لكنه ينقل المسألة إلى سؤال دستوري مختلف: هل كان اعتماد عسكريين أمريكيين ضمن "الطاقم الإداري والفني" للبعثة الدبلوماسية، بالنظر إلى طبيعة المهمات التي كانوا يمارسونها وحجمها، يدخل بكامله في نطاق الصلاحيات التنفيذية والدبلوماسية المعتادة، أم أن بعض تلك المهمات تجاوزت الاعتماد الدبلوماسي التقليدي إلى ترتيبات كان ينبغي أن تخضع لإجراءات قانونية أخرى؟
ولا يمكن حسم هذا السؤال بصورة قاطعة ما لم تتوافر الوثيقة العراقية التي حددت شروط اعتماد هؤلاء الأفراد ونطاق مهماتهم ووضعهم القانوني.
لم يكن المكتب مجرد ملحق عسكري تقليدي
يزداد هذا السؤال أهمية عند النظر إلى طبيعة المكتب نفسه.
فمكتب التعاون الأمني لم يقتصر على أعمال الملحق العسكري التقليدية. وتشير وثائق وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن مهمته شملت التعاون الأمني، وبناء قدرات الشريك، والمبيعات العسكرية، والتدريب والمشورة، وأن المكتب كان يضم نحو 300 شخص خلال عام 2012 قبل خفض العدد المصرح به إلى 170 في آذار/مارس 2013 ثم إلى 125 بحلول نهاية أيلول/سبتمبر من العام نفسه.
كما أن المكتب لم يكن في بداياته محصورًا فعليًا داخل مبنى السفارة. فالتخطيط الأصلي شمل مواقع متعددة، ثم جرى تقليصها تدريجيًا ونقل أفراد المكتب إلى مجمع السفارة، حتى أصبح الاتجاه هو تحويله إلى بنية أقرب إلى مكاتب التعاون الأمني الموجودة في البعثات الأمريكية الأخرى.
وبذلك كانت السنوات 2012–2013 مرحلة انتقال حقيقية، ليس فقط في عدد الأمريكيين الموجودين في العراق، وإنما في طبيعة وجودهم المؤسسي والقانوني.
هل كان هناك "فراغ قانوني"؟
بعد مراجعة الوثائق لا يبدو وصف الفترة 2012–2014 كلها بأنها "فراغ قانوني" وصفًا دقيقًا.
فثمة سند معلن للتعاون الأمني هو "اتفاقية الإطار الاستراتيجي"، وثمة موافقة عراقية على استمرار أشكال من التدريب والتعاون، كما تشير المصادر الأمريكية القانونية إلى تفاوض مع الحكومة العراقية أدى إلى منح أفراد مكتب التعاون الأمني وضعًا دبلوماسيًا محددًا.
لكن هذا لا يعني أن جميع الأسئلة القانونية قد حسمت.
فالذي لم تعثر عليه هذه الدراسة، في المصادر التشريعية العراقية المنشورة التي أمكن الوصول إليها، هو قانون تصديق مستقل أو اتفاق عراقي منشور يحدد إنشاء مكتب التعاون الأمني وأعداد العسكريين العاملين فيه ومواقعهم ومهماتهم ووضعهم القضائي على نحو مماثل لما فعلته اتفاقية 2008.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
العلم السياسي والمؤسسي بالوجود ← ثابت، ولا سيما مع عرض موضوع المكتب أمام مجلس النواب وظهوره العلني في النشاط الرسمي.
الموافقة التنفيذية العراقية والتعامل الرسمي مع المكتب ← تدل عليها الوقائع والمصادر الأمريكية التي تتحدث عن تفاوض واعتماد أفراد المكتب.
السند العراقي المنشور الذي يحدد تفصيلًا نطاق الوجود والحصانات والاختصاص القضائي ← لم تعثر عليه الدراسة حتى الآن في المصادر العراقية المنشورة التي أمكن فحصها.
وهذا التفريق أكثر دقة من وصف الفترة بأنها فراغ قانوني مطلق.
الحلقة التي تربط 2011 بعام 2014
وبذلك لم يكن الانتقال من 2011 إلى 2014 انتقالًا من "وجود عسكري أمريكي" إلى "عدم وجود أمريكيين عسكريين" ثم عودتهم فجأة مع داعش.
الصورة الأدق هي:
القوة العسكرية الأمريكية التي حكمتها اتفاقية 2008 انسحبت ← بقي مكتب تعاون أمني تحت مظلة السفارة يضم عسكريين ومدنيين ← تغير وضع العسكريين من أفراد قوة منتشرة إلى أفراد يعملون تحت سلطة البعثة الدبلوماسية ويتمتعون، بحسب المصادر الأمريكية، بوضع إداري وفني دبلوماسي ← ثم جاءت أزمة داعش في 2014 لتفرض من جديد إدخال عسكريين أمريكيين لأداء مهمة أمنية وعسكرية أوسع، وهو ما استلزم ترتيبات جديدة.
ومن هنا تكتسب عودة 2014 معناها القانوني الحقيقي.
فالمشكلة لم تكن أن العراق كان خاليًا منذ 2011 من كل عسكري أمريكي ثم دخل أول عسكري أمريكي في حزيران/يونيو 2014.
المشكلة كانت أن الإطار المحدود للتعاون الأمني داخل البعثة الدبلوماسية لم يعد كافيًا للمهمة العسكرية الجديدة التي طلبتها الحكومة العراقية لمواجهة تنظيم داعش.
وهنا تبدأ مرحلة قانونية أخرى تختلف عن كل من اتفاقية 2008 وترتيبات مكتب التعاون الأمني بعد 2011.
فجوة التوثيق بين الأرشيفين العراقي والأمريكي
تكشف مراجعة هذه المرحلة عن مسألة تتجاوز الخلاف حول التكييف القانوني للوجود الأمريكي إلى مسألة أخرى تتعلق بإتاحة الوثائق نفسها.
فجانب مهم من المعلومات التي أمكن من خلالها إعادة بناء الوضع القانوني لـ"مكتب التعاون الأمني في العراق" ومهماته ووضع العسكريين العاملين فيه جاء من وثائق رسمية أمريكية: وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ومكتب المفتش العام، ومكتب المساءلة الحكومي، ودراسات قانونية عسكرية أمريكية. وبعض هذه المصادر يذكر صراحة أن ترتيبات وضع أفراد المكتب كانت موضع تفاوض مع الحكومة العراقية، وأن نتيجة ذلك التفاوض كانت منحهم امتيازات وحصانات مماثلة لما يتمتع به "الطاقم الإداري والفني" في البعثة الدبلوماسية.
لكن الدراسة لم تعثر، في المصادر العراقية الرسمية المنشورة التي أمكن الوصول إليها، على النص العراقي المقابل الذي يسمح بتحديد الأداة التي تمت بها هذه الموافقة وشروطها وحدودها.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين. فإعلان الجانب الأمريكي عن وجود ترتيب أو وصف مضمونه وآثاره القانونية لا يعني بالضرورة أن النص الكامل للمراسلات الدبلوماسية التي أنشأته قد رُفعت عنه السرية أو أصبح واجب النشر؛ إذ قد تبقى المذكرة الأصلية أو المراسلات المتبادلة غير منشورة رغم إعلان وجودها وبعض نتائجها.
لكن ذلك لا يلغي سؤالًا مشروعًا من الناحية البحثية والمؤسسية: إذا كان العراق طرفًا في هذه الترتيبات، وكانت جهات أمريكية رسمية قد نشرت معلومات تفصيلية عن وجودها ومضمونها وآثارها القانونية، فأين الوثيقة أو السجل العراقي الذي يبين الأساس الذي وافقت بموجبه الحكومة العراقية عليها؟
لا تسمح الوثائق المتاحة لهذه الدراسة بتحديد سبب عدم العثور على هذا السجل في المصادر العراقية المنشورة. فقد يكون موجودًا في محفوظات وزارة الخارجية أو جهة حكومية أخرى وغير متاح للنشر العام، وقد يكون جزءًا من مراسلات دبلوماسية لا تنشر عادة، وقد تكون المشكلة متصلة بنظام الأرشفة والإتاحة، كما لا يمكن استبعاد وجود وثيقة منشورة لم تتمكن الدراسة من الوصول إليها.
ولهذا لا تستنتج الدراسة من غياب الوثيقة العراقية المنشورة أن الترتيب كان سريًا أو غير قانوني، كما لا تستنتج أن المؤسسات العراقية أخفته عمدًا.
لكنها تسجل مفارقة توثيقية يصعب تجاهلها: أن الباحث يستطيع أن يعرف من وثائق الدولة الأجنبية تفاصيل عن ترتيب قانوني كان العراق طرفًا فيه أكثر مما يستطيع معرفته، في حدود المصادر المتاحة، من الوثائق العراقية المنشورة.
وهذه المفارقة لا تجيب وحدها عن سؤال المشروعية، لكنها تثير سؤالًا آخر يتصل بممارسة السيادة وشفافية القرار: هل يكفي أن تكون الدولة قد وافقت على ترتيب يمس وجود عسكريين أجانب وحصاناتهم، أم أن مقتضيات الرقابة المؤسسية والشفافية القانونية تقتضي أيضًا أن يكون الأساس الذي قامت عليه تلك الموافقة قابلًا للتتبع في السجل الرسمي للدولة، ما لم توجد أسباب قانونية محددة تحول دون نشره؟
سادسًا: تبادل المذكرات والحصانة في 2014
كان طلب العراق للمساعدة يجيب عن سؤال مشروعية تقديم المساعدة العسكرية بموافقة الدولة، لكنه لم يكن وحده كافيًا للإجابة عن سؤال مختلف: ما الوضع القانوني للعسكري الأمريكي الموجود في العراق، ومن يملك الاختصاص القضائي عليه؟
وتؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أنها تلقت في 22 حزيران/يونيو 2014 مذكرة دبلوماسية من الحكومة العراقية تتعلق بالترتيبات الخاصة بالمستشارين الأمريكيين، وأن الترتيب يستمر ما دام الطرفان متفقين على بقائه. كما أوضحت أن مثل هذه المذكرات لا تنشر عادة.
وتكشف وثيقة لاحقة صادرة عن المجلس الاستشاري للأمن الدولي في وزارة الخارجية الأمريكية عن جانب قانوني بالغ الأهمية في هذا الترتيب. فهي تذكر أن تبادل المذكرات الدبلوماسية بين العراق والولايات المتحدة في حزيران/يونيو 2014 منح العسكريين الأمريكيين الذين أرسلوا مستشارين إلى العراق حماية تعادل تلك التي يتمتع بها أفراد الطاقم الإداري والتقني في البعثة الدبلوماسية، بما يشمل الحصانة من الاختصاص الجنائي العراقي والحصانة من الاختصاص المدني بالنسبة إلى الأعمال التي تؤدى في إطار الواجبات الرسمية.
وهنا ينبغي التمييز بين حصانة أفراد الطاقم الإداري والتقني المعتمدين أصلًا ضمن البعثة الدبلوماسية، وهي جزء من نظام الامتيازات والحصانات الدبلوماسية، وبين منح عسكريين أمريكيين أرسلوا إلى العراق لأداء مهمات عسكرية استشارية حماية قانونية "تعادل" ذلك الوضع.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها عند مقارنتها بما جرى في نهاية عام 2011. ففي ذلك الوقت تعذر التوصل إلى اتفاقية جديدة لوضع القوات الأمريكية بسبب الخلاف، من بين مسائل أخرى، حول الحصانة التي ستمنح للعسكريين الأمريكيين الذين كان مقترحًا بقاؤهم في العراق. أما في حزيران/يونيو 2014، فعادت مسألة الحماية القانونية للعسكريين الأمريكيين في ظرف أمني مختلف وبصيغة قانونية مختلفة؛ إذ لم تبرم اتفاقية جديدة لوضع القوات، وإنما وافقت الحكومة العراقية، وفق المصادر الأمريكية الرسمية، من خلال تبادل مذكرات دبلوماسية على منح العسكريين الأمريكيين المرسلين مستشارين حماية تعادل حماية أفراد الطاقم الإداري والتقني في البعثة الدبلوماسية.
وبذلك لم تعد المسألة في عام 2014 تتعلق بمنح "قوة عسكرية أمريكية" الحصانة بموجب اتفاقية جديدة لوضع القوات على النحو الذي كان موضع الخلاف في عام 2011، وإنما بمنح أفراد عسكريين أمريكيين حماية قانونية مماثلة للحماية الدبلوماسية عن طريق تبادل مذكرات بين الحكومتين.
وهذا الاختلاف في الأداة القانونية لا يلغي السؤال الدستوري، بل يعيد صياغته: ما الأداة العراقية التي أجازت منح عسكريين أجانب يؤدون مهمات عسكرية استشارية حماية تعادل حماية الطاقم الإداري والتقني في البعثة الدبلوماسية؟ وهل كان هذا الترتيب يدخل ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة العلاقات الدبلوماسية وتنفيذ الاتفاقات القائمة، أم أنه أنشأ وضعًا قانونيًا جديدًا كان يستلزم إجراءات دستورية أخرى؟
ولا يمكن حسم هذا السؤال من الوثائق الأمريكية وحدها، ولا سيما أن النص الكامل للمذكرات الدبلوماسية المتبادلة لم ينشر. ولذلك تبقى معرفة الأداة العراقية التي استندت إليها الحكومة في إقرار هذا الوضع، وحدود الحصانات والمهمات التي شملها، ضرورية للحكم الدستوري النهائي على الترتيب.
وهذا الترتيب يختلف عن اتفاقية 2008 الشاملة التي وافق عليها مجلس النواب ونظمت وجود قوة عسكرية كبيرة وتفاصيل عملها وانسحابها.
سابعًا: دليل 2020 على استمرار مرجعية مذكرات 2014
يقدم الحوار الاستراتيجي العراقي–الأمريكي في 11 حزيران/يونيو 2020 دليلًا مهمًا على أن مذكرات 2014 لم تختفِ من الإطار المرجعي للعلاقة الأمنية.
فقد أعاد الطرفان تأكيد مبادئ اتفاقية الإطار الاستراتيجي، وكذلك المبادئ الواردة في تبادل المذكرات الدبلوماسية ورسالتَي العراق S/2014/440 وS/2014/691.
وهذا لا يسمح بالقول إن كل حكم من أحكام مذكرات 2014 بقي بالضرورة على حاله حتى 2026، لكنه يثبت أن الطرفين ظلا في 2020 يعاملان مبادئ ذلك التبادل بوصفها جزءًا من الإطار المرجعي للعلاقة الأمنية.
ثامنًا: 2021… انتهاء الدور القتالي لا الوجود العسكري
في 26 تموز/يوليو 2021 أعلن العراق والولايات المتحدة انتقال العلاقة الأمنية بالكامل إلى التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات الاستخبارية، وأنه لن تكون هناك قوات أمريكية ذات دور قتالي في العراق بحلول 31 كانون الأول/ديسمبر 2021.
والصياغة هنا دقيقة.
لم ينص البيان على خروج جميع العسكريين الأمريكيين، وإنما على انتهاء الدور القتالي.
وهذا ما أكدته أيضًا وثائق الحوار الأمني اللاحقة، التي قالت صراحة في 2023 إن جميع العسكريين الأمريكيين الموجودين في العراق موجودون بدعوة من الحكومة العراقية لأغراض التدريب والمشورة والمساعدة وتبادل المعلومات الاستخبارية.
لذلك فإن:
نهاية 2011 ← انسحاب القوات المشمولة باتفاقية 2008.
أما:
نهاية 2021 ← انتهاء الدور القتالي والتحول إلى مهمة استشارية ومساندة.
والخلط بين الحدثين يؤدي إلى قراءة قانونية غير دقيقة.
تاسعًا: الطريق إلى إنهاء مهمة التحالف
في كانون الثاني/يناير 2024 بدأت اللجنة العسكرية العليا العراقية–الأمريكية تقييم مستقبل مهمة التحالف وفق ثلاثة عوامل: تهديد داعش، والمتطلبات العملياتية والبيئية، وقدرات القوات الأمنية العراقية.
وفي نيسان/أبريل 2024 أكد رئيسا الجانب العسكري في اللجنة العمل باتجاه انتقال من مهمة التحالف الدولي إلى شراكات أمنية ثنائية دائمة بين العراق والولايات المتحدة ودول أخرى في التحالف.
وفي تموز/يوليو 2024 اتفق الطرفان كذلك على بدء العمل على مذكرة تفاهم توفر إطارًا معززًا للعلاقة الأمنية الثنائية للسنوات المقبلة، وتشمل ضباط الارتباط والتدريب وبرامج التعاون الأمني التقليدية.
وهذه الوثيقة مهمة لأنها تكشف أن الانتقال لم يكن مصممًا على أساس:
التحالف ← انقطاع العلاقات العسكرية.
بل على أساس:
التحالف ← انتهاء المهمة الجماعية ← تعاون دفاعي ثنائي.
عاشرًا: ماذا قررت خطة 2024–2026 فعلًا؟
تحتاج هذه النقطة إلى دقة خاصة.
فالإعلان الأمريكي في 27 أيلول/سبتمبر 2024 وصف خطة انتقال من مرحلتين. وفي المرحلة الأولى كان مقررًا إنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق بحلول أيلول/سبتمبر 2025 وسحب قوات التحالف من مواقع يجري الاتفاق عليها، بينما تسمح المرحلة الثانية باستمرار دعم عمليات مكافحة داعش في سوريا من الأراضي العراقية حتى أيلول/سبتمبر 2026 على الأقل، وفق الظروف والمشاورات بين الطرفين.
إذن لا يصح اختزال الفترة 2025–2026 بالقول إن "التحالف خرج من العراق في 2025"، لأن الأراضي العراقية بقيت جزءًا من ترتيبات دعم العمليات ضد داعش في سوريا خلال المرحلة الثانية.
كما لا يصح وصف الاتفاق بأنه إعلان مسبق عن انتهاء كل علاقة عسكرية أمريكية بالعراق، لأن الطرفين كانا يتفاوضان بالتوازي على علاقة دفاعية ثنائية.
حادي عشر: 30 أيلول 2026… ما الذي انتهى ماديًا؟
في 30 أيلول/سبتمبر 2026 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها أكملت المغادرة المنظمة للقوات والمعدات الأمريكية من قاعدة أربيل الجوية، وأن ذلك يمثل نهاية مهمة عملية العزم الصلب في العراق.
وفي الإعلان نفسه أوضحت أن الانتقال جزء من التحول إلى علاقة دفاعية ثنائية أمريكية–عراقية، وأن "قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب" "Combined Joint Task Force-Operation Inherent Resolve – CJTF-OIR" تواصل عملها من مقرها في الأردن في إطار العمليات المتعلقة بسوريا.
وهذا الإعلان يحسم أمرين في آن واحد:
الأول أن ما حدث ليس مجرد تغيير اسم؛ فقد وقعت مغادرة مادية للقوات والمعدات من أربيل وانتهت "عملية العزم الصلب" "Operation Inherent Resolve – OIR" في العراق.
والثاني أن نهاية عملية العزم الصلب OIR لا تعني نهاية العلاقة الدفاعية الأمريكية–العراقية.
ومن ثم فإن العبارة الدقيقة هي:
انتهت مهمة OIR في العراق وانتقل الطرفان إلى نموذج مختلف للعلاقة الدفاعية.
ثاني عشر: بعثة الناتو ومشكلة الخلط بين المهمة والوجود
كان يمكن أن يؤدي استمرار "بعثة حلف شمال الأطلسي في العراق" "NATO Mission Iraq – NMI" إلى استنتاج أن قوات أجنبية أخرى بقيت في العراق بعد انتهاء OIR، لكن التطورات خلال 2026 تمنع هذا الاستنتاج.
فحلف الناتو يؤكد رسميًا أنه في آذار/مارس 2026 نقل جميع أفراد بعثة الناتو في العراق من بغداد ومن الشرق الأوسط إلى أوروبا، وأن المهمة أصبحت تواصل عملها من قيادة القوات المشتركة في نابولي.
وهذه الواقعة تقدم مثالًا مهمًا:
استمرار المهمة المؤسسية لا يعني بالضرورة استمرار أفرادها داخل العراق.
ومن ثم لا يجوز استخدام استمرار بعثة حلف شمال الأطلسي في العراق بعد آذار/مارس 2026 دليلًا على وجود قوات الناتو على الأراضي العراقية في 30 أيلول/سبتمبر.
ثالث عشر: "مجموعة الولايات المتحدة العسكرية في العراق" "U.S. Military Group-Iraq – USMILGRP-I" والعلاقة الدفاعية الثنائية
في موازاة تقليص عملية العزم الصلب ظهرت في الوثائق الأمريكية لعام 2026 بنية مختلفة هي: مجموعة الولايات المتحدة العسكرية في العراق وتشير الوثائق التي فُحصت أثناء إعداد الدراسة إلى أنها بنية للتعاون الأمني تضم عسكريين أمريكيين وموظفين مدنيين حكوميين وتعمل في إطار البعثة الأمريكية، وأن بعض وظائف التنسيق التي كانت تقوم بها قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب انتقلت إليها أثناء عملية التحول.
كما أظهرت وثائق تعاقد أمريكية صادرة في 2026 التخطيط لخدمات دعم مرتبطة بـ مجموعة الولايات المتحدة العسكرية في العراق في بغداد وأربيل خلال مرحلة تمتد إلى ما بعد نهاية عملية العزم الصلب.
لكن ينبغي ضبط دلالة هذه الوثائق.
فهي تثبت أن التخطيط الأمريكي للعلاقة الدفاعية الثنائية لم يكن يقوم على إنهاء كل نشاط أمني أمريكي داخل العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026.
لكنها لا تثبت وحدها عدد العسكريين الأمريكيين الذين سيكونون موجودين في العراق بعد ذلك التاريخ، ولا تسمح بتحويل المتعاقدين والمدنيين إلى "قوات أمريكية".
كما أن الدراسة، حتى تاريخ إعدادها في 30 أيلول/سبتمبر 2026، لم تعثر في المصادر العراقية الرسمية المنشورة التي أمكن الوصول إليها على وثيقة تحدد بصورة كاملة الوضع الدبلوماسي أو القضائي لأفراد مجموعة الولايات المتحدة العسكرية في العراق في المرحلة التالية لـ عملية العزم الصلب.
ومن ثم يجب إبقاء هذه النقطة ضمن حدود ما تثبته الوثائق وعدم سد الفراغ بالاستنتاج.
رابع عشر: العسكري في السفارة والقوة العسكرية
وجود شخص يحمل رتبة عسكرية أجنبية داخل دولة ما لا يعني بذاته وجود قوة عسكرية أجنبية منتشرة فيها.
فالملحق العسكري أو الدفاعي في السفارة عسكري، لكنه جزء من البعثة الدبلوماسية المعتمدة لدى الدولة المضيفة.
ويمكن كذلك اعتماد أفراد آخرين ضمن فئات البعثة الدبلوماسية، وتترتب على وضعهم امتيازات وحصانات وفق القواعد القانونية ذات الصلة.
أما العسكري الذي يوجد خارج هذا الإطار فيحتاج إلى سند آخر يحدد وضعه واختصاص القضاء عليه.
ولهذا لا يكفي أن تصف الدولة المرسلة شخصًا بأنه يعمل في السفارة حتى تحسم وضعه القانوني؛ فاعتماد الدولة المضيفة عنصر أساسي في تحديد صفته الدبلوماسية.
وهنا تكمن إحدى المسائل التي لم تستطع الوثائق المنشورة حسمها بالنسبة إلى جميع أفراد مجموعة الولايات المتحدة العسكرية في العراق: هل اعتمدتهم وزارة الخارجية العراقية، وبأي فئة، وما نطاق الامتيازات والحصانات المترتبة على ذلك؟
وعدم العثور على وثيقة منشورة لا يعني أن الاعتماد غير موجود؛ لأن مثل هذه الإجراءات يمكن أن تتم من خلال القنوات الدبلوماسية ولا تنشر بالضرورة في الوقائع العراقية.
خامس عشر: التعاون الدفاعي ليس انتشارًا عسكريًا
بعد 30 أيلول/سبتمبر 2026 تستمر، بحسب ما أعلنه الطرفان، علاقة أمنية ودفاعية عراقية–أمريكية تشمل صورًا من التدريب والمساعدة والتعاون الأمني وبناء القدرات.
لكن استمرار هذه العلاقة لا يعني بذاته استمرار قواعد عسكرية أمريكية أو قوة عملياتية منتشرة داخل العراق.
وبالمقابل، فإن وجود عدد محدود من العسكريين المعتمدين ضمن بعثة دبلوماسية، إن ثبت، لا يمكن مساواته قانونيًا بوجود القوة متعددة الجنسيات أو CJTF-OIR.
لذلك يجب الفصل بين:
الانتشار العسكري العملياتي الذي انتهت مرحلته المرتبطة بـ OIR في العراق في 30 أيلول/سبتمبر 2026؛
والعسكريين العاملين ضمن البعثة الدبلوماسية أو هياكل التعاون الأمني، وهي فئة قانونية مختلفة؛
والتعاون الدفاعي بين الدولتين الذي يمكن أن يستمر سواء استلزم وجود أفراد داخل العراق أم نُفذ بعضه من خارجه.
سادس عشر: المسألة الدستورية العراقية
يبقى السؤال الداخلي: من يملك تنظيم هذه الترتيبات وفق الدستور العراقي؟
تنص المادة 61/رابعًا من الدستور على اختصاص مجلس النواب بـ"تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب".
كما تنص المادة 73/ثانيًا على مصادقة رئيس الجمهورية على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بعد موافقة مجلس النواب.
ولهذا كانت اتفاقيتا 2008 واضحتين من حيث مرورهما بالمسار العراقي التشريعي؛ فقد وافق عليهما مجلس النواب.
لكن الإشكال يصبح أكثر تعقيدًا عندما تستخدم الدولتان مذكرات دبلوماسية أو مذكرات تفاهم أو ترتيبات تنفيذية.
فلا يكفي اسم الوثيقة وحده للحكم على طبيعتها.
وثيقة تنظم برنامج تدريب أو آلية لتنفيذ اتفاق مصدق تختلف في مضمونها عن وثيقة تنشئ حقًا جديدًا لوجود أفراد عسكريين أجانب أو تمنحهم حصانة من الاختصاص القضائي.
ومن هنا يجب أن ينصب التحليل على مضمون الالتزام وآثاره القانونية، لا على عنوان الوثيقة فقط.
سابع عشر: قانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015
صدر قانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015 ونشر في الوقائع العراقية، العدد 4383.
ويكتسب القانون أهمية لأنه يميز بين المعاهدة وبين "الاتفاق التنفيذي"، الذي عُرّف بأنه المذكرات والبرامج التنفيذية التي تعقد لتنفيذ أحكام المعاهدات المصدقة.
وهذا يوفر معيارًا مفيدًا لفحص الترتيبات الأمنية اللاحقة لعام 2015.
فإذا كانت الوثيقة تنفذ تعاونًا أجازته أصلًا اتفاقية مصدقة، يمكن أن يثار القول بأنها ترتيب تنفيذي.
أما إذا كانت تنشئ التزامات جديدة تتعلق بوجود عسكريين أجانب أو حمل السلاح أو الاختصاص القضائي والحصانات، فيصبح السؤال عن طبيعتها القانونية والطريق الدستوري الواجب اتباعه أكثر جدية.
لكن قانون 35 لسنة 2015 صدر بعد مذكرات 2014، ولذلك لا يجوز تطبيق أحكامه عليها بأثر رجعي.
وتبقى أهميته بالنسبة إلى الترتيبات اللاحقة وما إذا كانت تنفيذًا لمعاهدات قائمة أم التزامات دولية جديدة.
ثامن عشر: هل تكفي اتفاقية الإطار الاستراتيجي؟
اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من كانون الثاني/يناير 2009، أنشأت إطارًا طويل الأمد للتعاون بين العراق والولايات المتحدة، بما فيه التعاون الأمني والدفاعي.
لكن اتفاقية الإطار الاستراتيجي ليست هي اتفاقية وضع القوات لعام 2008.
فالوثيقتان أبرمتا منفصلتين في اليوم نفسه، وكانت اتفاقية القوات هي التي نظمت الوجود العسكري المؤقت والانسحاب، بينما وضعت اتفاقية الإطار أساس العلاقة طويلة الأمد بين الدولتين. وتؤكد الوثائق الأمريكية الرسمية هذا التمييز بين وظيفة الاتفاقيتين.
ومن ثم يمكن لاتفاقية الإطار أن تكون مظلة للتعاون الدفاعي، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنها تجيب وحدها عن كل سؤال يتعلق بدخول العسكريين الأجانب وحملهم السلاح وحصاناتهم والاختصاص القضائي عليهم.
تاسع عشر: الموافقة على الوجود ليست هي الحصانة
من أهم النتائج القانونية التي تكشفها هذه الدراسة ضرورة الفصل بين موافقة العراق على وجود مستشار أجنبي وبين منحه حصانة من القضاء العراقي.
يمكن للدولة أن توافق على وجود شخص أجنبي ويظل خاضعًا لقضائها.
ويمكن أن تمنحه، وفق سند قانوني آخر، وضعًا خاصًا يحد من اختصاص القضاء الوطني عليه.
كما يمكن أن يكون العسكري عضوًا معتمدًا في بعثة دبلوماسية فتترتب عليه الامتيازات والحصانات المقررة للفئة التي اعتمد ضمنها.
لذلك فإن القول إن القوات أو المستشارين "موجودون بطلب من الحكومة العراقية" يجيب عن مسألة الموافقة على الوجود، لكنه لا يجيب وحده عن مسألة الاختصاص القضائي والحصانة.
والاختبار القانوني الأدق هو:
من هو الشخص؟ ولأي جهة يتبع؟ وأين يعمل؟ وبأي صفة دخل العراق؟ وما مهمته؟ وبأي سند وافق العراق على وجوده؟ وهل هو عضو معتمد في البعثة الدبلوماسية؟ ومن يملك الاختصاص القضائي عليه؟
عشرون: 30 أيلول/سبتمبر 2026 في ميزان السيادة
بعد هذا المسار يمكن العودة إلى السؤال الذي بدأت منه الدراسة: ما الدلالة القانونية لما حدث في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وما علاقته بمفهوم السيادة؟
السيادة في القانون الدولي لا تعني بالضرورة خلو إقليم الدولة من كل شخص أجنبي يحمل صفة عسكرية.
فالدولة ذات السيادة تستطيع أن تستضيف قوات أجنبية باتفاق، وأن تستقبل مستشارين عسكريين، وأن تعتمد ملحقين دفاعيين، وأن تدخل في ترتيبات للتدريب والتعاون الدفاعي.
وبالمقابل، لا يصبح أي وجود عسكري مشروعًا لمجرد تغيير اسمه من "قوات" إلى "مستشارين"؛ فالعبرة بطبيعة المهمة والسند القانوني وموافقة الدولة المضيفة والوضع الذي يتمتع به الأفراد.
ولذلك لا ينبغي تقييم 30 أيلول من خلال موقفين مطلقين: أن السيادة اكتملت بمجرد انتهاء OIR، أو أن شيئًا لم يتغير لأن التعاون العسكري الأمريكي سيستمر.
فالوثائق تثبت تغييرًا حقيقيًا: انتهت مهمة عملية العزم الصلب في العراق، وغادرت القوات والمعدات الأمريكية قاعدة أربيل الجوية، وانتقلت العلاقة المعلنة إلى إطار دفاعي ثنائي.
كما أن بعثة الناتو كانت قد نقلت جميع أفرادها من العراق في آذار/مارس 2026.
وفي المقابل، لا يعني ذلك انتهاء التعاون الدفاعي العراقي–الأمريكي أو استحالة وجود أفراد عسكريين يعملون ضمن البعثة الدبلوماسية أو هياكل التعاون الأمني.
ومن هنا فإن التعبير الأدق هو أن العراق انتقل في 30 أيلول/سبتمبر 2026 من نموذج الانتشار العملياتي للتحالف الدولي إلى نموذج العلاقة الدفاعية الثنائية.
الحادي والعشرون: السيادة ليست مجرد عدد الجنود
إذا كانت السيادة تعني قدرة الدولة على تقرير ما يجري على إقليمها، فإن قياسها لا يتوقف عند عدد الجنود الذين غادروا أو المواقع التي أخليت.
السؤال الأعمق هو:
من يقرر وجود من بقي؟ وتحت أي قانون يعمل؟ وما حدود مهمته؟ ومن يملك الاختصاص القضائي عليه؟ وهل تستطيع الدولة إنهاء وجوده؟ وهل تمر الترتيبات المنشئة للالتزامات الدولية بالطريق الدستوري الذي رسمه القانون؟
ومن هذه الزاوية تصبح الشفافية القانونية جزءًا من ممارسة السيادة.
فوجود مستشار أجنبي بموافقة عراقية ووضع قانوني واضح ومعلن يختلف عن وجود تحكمه ترتيبات لا تتوافر نصوصها للرأي العام والمؤسسات الرقابية بما يسمح بمعرفة حدودها.
ولا يعني ذلك أن الترتيب غير المنشور غير قانوني بالضرورة، لكنه يجعل التحقق المستقل من أساسه وحدوده أكثر صعوبة.
الخلاصة
تكشف الوثائق أن الوجود العسكري الأجنبي في العراق منذ عام 2003 لم يكن حالة قانونية واحدة متصلة.
بدأ عام 2003 في سياق الاحتلال العسكري.
ثم تحول إلى قوة متعددة الجنسيات تعمل في إطار قرارات مجلس الأمن وموافقة الحكومة العراقية.
وانتهى تفويض مجلس الأمن لهذه القوة في 31 كانون الأول/ديسمبر 2008.
منذ الأول من كانون الثاني/يناير 2009 أصبح وجود القوات الأمريكية محكومًا باتفاقية ثنائية عراقية–أمريكية، إلى أن انتهت الاتفاقية وانسحبت القوات المشمولة بها في 31 كانون الأول/ديسمبر 2011.
وبذلك انتهى نمط الوجود العسكري الذي بدأ عام 2003، لكن ذلك لم يؤد إلى خروج كل عسكري أمريكي من العراق؛ إذ استمر "مكتب التعاون الأمني في العراق" تحت سلطة البعثة الدبلوماسية الأمريكية، وضم عسكريين ومدنيين مارسوا مهمات في التدريب والمشورة والتعاون الأمني والمبيعات العسكرية. وتشير المصادر الأمريكية إلى أن وضع العسكريين العاملين فيه عولج من خلال اعتمادهم ضمن البعثة الدبلوماسية ومنحهم امتيازات وحصانات مماثلة للطاقم الإداري والفني، في حين لم تعثر هذه الدراسة في المصادر العراقية المنشورة التي أمكن فحصها على اتفاق أو قانون مستقل منشور ينظم وضع المكتب وأفراده على نحو مماثل لاتفاقية 2008.
وعندما توسعت الحاجة العسكرية في عام 2014 لم يكن الإطار المحدود لمكتب التعاون الأمني كافيًا للمهمة الجديدة ضد تنظيم داعش، فطلب العراق مساعدة عسكرية جديدة، وظهرت ترتيبات جديدة لمعالجة وضع المستشارين الأمريكيين وحصاناتهم.
وفي نهاية 2021 انتهى الدور القتالي المعلن للقوات الأمريكية، لا وجود جميع العسكريين الأمريكيين.
ثم بدأ في 2024 مسار الانتقال من مهمة التحالف الدولي إلى علاقات أمنية ثنائية، وصولًا إلى إعلان القيادة المركزية الأمريكية في 30 أيلول/سبتمبر 2026 انتهاء مهمة OIR في العراق ومغادرة القوات والمعدات الأمريكية قاعدة أربيل الجوية.
وعليه فإن 30 أيلول/سبتمبر 2026 يمثل نهاية مرحلة عسكرية وقانونية حقيقية، ولا يصح اختزال ما حدث فيه إلى مجرد تغيير أسماء.
لكنه لا يمثل، بحسب الوثائق المتاحة حتى تاريخ إعداد هذه الدراسة، نهاية كل علاقة عسكرية وأمنية بين العراق والولايات المتحدة، ولا تسمح هذه الوثائق بالقول إن كل شخص يحمل صفة عسكرية أمريكية قد غادر الأراضي العراقية.
فالمرحلة التالية تقوم على علاقة دفاعية ثنائية، بينما تبقى بعض التفاصيل المتعلقة بأعداد العسكريين العاملين في هياكل التعاون الأمني ووضعهم القانوني واعتمادهم الدبلوماسي غير متاحة كاملة في المصادر العراقية المنشورة التي أمكن فحصها.
ومن هنا تصل الدراسة إلى نتيجة قانونية أكثر تحديدًا:
ما انتهى في 30 أيلول/سبتمبر 2026 هو مهمة عملية العزم الصلب في العراق والانتشار العملياتي المرتبط بها؛ أما التعاون الدفاعي الثنائي، وما قد يرتبط به من وجود محدود لأفراد عسكريين ضمن البعثة الدبلوماسية أو هياكل التعاون الأمني، فهو وضع قانوني مختلف لا يجوز مساواته بالقوة العسكرية التي انتهت مهمتها في ذلك اليوم.
فإذا كان المقصود بوصف 30 أيلول/سبتمبر 2026 بأنه محطة في استعادة ممارسة السيادة انتهاء مهمة التحالف الدولي وخروج قوات عملية العزم الصلب من مواقع انتشارها في العراق، فإن لهذا الوصف أساسًا واقعيًا ووثائقيًا.
أما إذا أريد بهذا الوصف القول إن جميع أشكال الوجود العسكري والأمني الأجنبي، وجميع العسكريين الأجانب، وكل ترتيبات التعاون الدفاعي انتهت في العراق في ذلك اليوم، فإن الوثائق المتاحة حتى 30 أيلول/سبتمبر 2026 لا تثبت ذلك.
وبين المعنيين تقع المسافة التي تفصل الحدث السياسي عن توصيفه القانوني الدقيق، والشعار عن ممارسة السيادة نفسها.
الوثائق والمراجع الأساسية
1. قرارات مجلس الأمن الخاصة بالعراق، ولا سيما القرار 1546 (2004) والقرار 1790 (2007).
2. رسالة العراق إلى الأمم المتحدة S/2014/440 المؤرخة في 25 حزيران/يونيو 2014.
3. رسالة العراق إلى مجلس الأمن S/2014/691 المؤرخة في 20 أيلول/سبتمبر 2014.
4. اتفاقية انسحاب قوات الولايات المتحدة وتنظيم أنشطتها أثناء وجودها المؤقت في العراق، الموقعة في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2008.
5. اتفاقية الإطار الاستراتيجي للعلاقة بين جمهورية العراق والولايات المتحدة، الموقعة في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2008.
6. البيان المشترك للحوار الاستراتيجي العراقي–الأمريكي، 11 حزيران/يونيو 2020.
7. البيان المشترك للحوار الاستراتيجي العراقي–الأمريكي، 26 تموز/يوليو 2021.
8. بيانات حوار التعاون الأمني المشترك واللجنة العسكرية العليا، 2023–2024.
9. وثائق وزارة الدفاع الأمريكية الخاصة بخطة انتقال مهمة عملية العزم الصلب، أيلول/سبتمبر 2024.
10. إعلان القيادة المركزية الأمريكية انتهاء مهمة عملية العزم الصلب في العراق، 30 أيلول/سبتمبر 2026.
11. وثائق حلف شمال الأطلسي بشأن NATO Mission Iraq ونقل جميع أفرادها من بغداد إلى أوروبا في آذار/مارس 2026.
12. الدستور العراقي لسنة 2005، ولا سيما المادتان 61/رابعًا و73/ثانيًا.
13. قانون عقد المعاهدات رقم 35 لسنة 2015، المنشور في الوقائع العراقية، العدد 4383.
14. تقرير المجلس الاستشاري للأمن الدولي في وزارة الخارجية الأمريكية بشأن اتفاقيات وضع القوات، وما يتصل بترتيبات العراق لعام 2014.

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 59 دقيقة
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...
منذ اسبوعين
2026/09/23
تخوض البنوك المركزية حول العالم واحدة من أعقد اختبارات السياسة النقدية منذ عقود،...