0

بمختلف الألوان
أعلنَ الإمامُ الحُسينُ موقِفَهُ عَلانيّةً وصَراحةً تجاهَ إمرَةِ يزيدَ فقالَ سلامُ اللهِ عليهِ: (إنّا أهلُ بيتِ النُّبوَّةِ ومَعدِنِ الرِّسالَةِ... ويزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شاربُ الخمرِ، قاتلُ النَّفسِ المُحتَرَمةِ، مُعلِنٌ بالفِسقِ، ومِثلي لا يُبايِعُ مِثلَهُ) لم يَكُنِ الإمامُ الحُسينُ مُنفَصِلاً... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
التماس الأعذار في ضوء القرآن ونهج الإمام علي عليه السلام: أخلاق الرؤية لا أخلاق الحكم

منذ 3 شهور
في 2026/07/20م
عدد المشاهدات :396
التماس الأعذار في ضوء القرآن ونهج الإمام علي عليه السلام: أخلاق الرؤية لا أخلاق الحكم
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
13/07/2026
في لحظةٍ يختلّ فيها ميزان الحكم على الناس، لا يتراجع العقل فحسب، بل تتقدّم الظنون لتحتلّ موقع اليقين، وتغدو الكلمة العابرة شرارة خصومة، والموقف الملتبس ذريعة عداوة. هذه الظاهرة ليست طارئة على الاجتماع الإنساني، بل تكاد تكون من علله المزمنة، حيث يميل الإنسان—تحت ضغط الانفعال—إلى تفسير أفعال الآخرين وفق أسوأ الاحتمالات، لا أفضلها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تأسيس الوعي الأخلاقي على قاعدةٍ تضبط العلاقة بين الظنّ والحكم، بين الانفعال والتأمّل، وهي قاعدة نجد جذورها الراسخة في القرآن الكريم، وتمتدّ تطبيقاتها في تراث أهل البيت، ولا سيّما في مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وامتدادها التربوي عند الإمام جعفر الصادق عليه السلام.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. هذه الآية لا تكتفي بالنهي الأخلاقي، بل تؤسس لقاعدة معرفية دقيقة، مفادها أن الظنّ—إذا لم يُضبط—يمكن أن يتحوّل إلى مصدر للخطأ في الحكم على الآخرين. فالمشكلة ليست في الظنّ بوصفه عملية ذهنية، بل في تحويله إلى يقينٍ سلوكي دون بيّنة. ومن هنا، يصبح التماس الأعذار ليس مجرّد خُلُقٍ محمود، بل آليةً معرفية لتصحيح مسار الحكم، وإعادة توجيهه نحو الإنصاف.
ويتعزّز هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، حيث ينتقل الخطاب من ضبط الداخل (كظم الغيظ) إلى إعادة تشكيل الخارج (العفو عن الناس). فالعفو هنا ليس ردّ فعلٍ عاطفي، بل فعلٌ أخلاقي واعٍ، يقوم على إدراكٍ بأنّ الإنسان قد يخطئ، وأنّ استدامة العلاقات لا تقوم على المحاسبة الصارمة وحدها، بل على مساحةٍ من الرحمة تسمح بإعادة التوازن.
ضمن هذا الأفق القرآني، يأتي توجيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام: « إذا بلغك عن أخيك شيء فالتَمِس له سبعين عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا لا أعلمه». هذا النص لا يضيف مبدأً جديدًا بقدر ما يُفعّل المبدأ القرآني في السلوك اليومي، محوّلًا “اجتناب الظن” من مفهومٍ نظري إلى ممارسةٍ عملية. فالإنسان هنا لا يُطلب منه فقط أن يمتنع عن الحكم، بل أن يبادر إلى البحث عن تفسيرٍ إيجابي، وأن يدرّب نفسه على توسيع دائرة الفهم قبل تضييق دائرة الاتهام.
غير أنّ هذا الامتداد التربوي يجد جذوره الأعمق في سيرة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث تتحوّل الأخلاق من مبادئ إلى ممارسات. ففي عهده لمالك الأشتر، يقول: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم… فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». هذه العبارة لا تُقرأ بوصفها توصية إدارية فحسب، بل بوصفها قاعدة أنثروبولوجية تؤسس لنظرةٍ إيجابية إلى الإنسان، تجعل الأصل فيه الكرامة، لا الشبهة. وعندما يكون الأصل هو الكرامة، يصبح التماس العذر نتيجةً طبيعية، لا تكلّفًا أخلاقيًا.
وفي موضع آخر، يضع الإمام قاعدة تأويلية دقيقة بقوله: «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يغلبك منه» . هذه القاعدة تمثّل انتقالًا نوعيًا في طريقة التفكير؛ إذ لا تكتفي بالدعوة إلى حسن الظن، بل تطالب الإنسان بإعادة قراءة الوقائع ضمن أفضل الاحتمالات الممكنة. إنها دعوة إلى مقاومة “التفسير السلبي التلقائي”، الذي يميل إليه الذهن البشري، واستبداله بتفسيرٍ رحيم، يفتح المجال أمام الفهم بدل الإدانة.
وتتجلّى القيمة العملية لهذا المنهج في مواقف الإمام علي عليه السلام السياسية، حيث لم تتحوّل الخلافات إلى مبرّر لإسقاط إنسانية الخصوم. ففي تعامله مع الخوارج، ورغم حدّة اختلافهم معه، لم يبادر إلى تكفيرهم أو حرمانهم من حقوقهم، بل قال: «لا نكفّرهم… ولا نمنعهم مساجد الله، ولا نمنعهم الفيء» . هذا الموقف ينسجم بعمق مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، حيث يُطلب من الإنسان أن يحافظ على عدالته حتى في لحظة الخصومة. وهنا يبلغ التماس الأعذار ذروته، إذ لا يعود مجرد خُلُق فردي، بل يتحوّل إلى مبدأ يحكم السلوك السياسي والاجتماعي.
إنّ التماس الأعذار، في هذا السياق المتكامل، يشكّل سلسلة أخلاقية تبدأ من ضبط الظن، وتمرّ بكظم الغيظ، وتنتهي بالعفو والإحسان. وهو بذلك لا يعالج السلوك الظاهر فحسب، بل يعيد تشكيل البنية الداخلية للإنسان، فيدرّبه على التأنّي، ويحرّره من أسر الانفعال، ويمنحه قدرةً أعلى على الفهم.
وفي واقعنا المعاصر، تتضاعف الحاجة إلى هذا المنهج. فمع تسارع وسائل التواصل، لم يعد الإنسان يمنح نفسه وقتًا كافيًا للتأمّل، بل أصبح الحكم فوريًا، وردّ الفعل آنيًا، وغالبًا ما يُبنى على معلومات ناقصة أو سياقات مبتورة. وفي مثل هذا المناخ، تتحوّل الشائعات إلى حقائق، وسوء الفهم إلى صراعات، ويغدو غياب التماس الأعذار أحد أهم أسباب تفكّك العلاقات الإنسانية.
من هنا، فإنّ استعادة هذا الخُلُق ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة حضارية. إنها تعني إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والحكم، بحيث لا يُدان الإنسان إلا بعد التثبّت، ولا يُفسَّر فعله إلا بعد استنفاد احتمالات الخير. وهذا ما تشير إليه الآية الجامعة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، حيث تتحوّل الأخلاق إلى قوة تغيير، لا مجرد وسيلة تهذيب.
في المحصّلة، لا يعود التماس الأعذار مجرد فضيلة فردية، بل يصبح معيارًا لقياس نضج المجتمعات. فحيث يسود حسن الظن، تتماسك العلاقات، وحيث يغلب سوء الظن، تتآكل الروابط. وبين هذين المسارين، يقف الإنسان أمام خيارٍ أخلاقي: إما أن يكون أسير ظنونه، أو صانعًا لرحمته.
وهكذا، يلتقي هدي القرآن مع حكمة الإمام علي، وتوجيهات الإمام الصادق، ليؤسّسوا معًا رؤيةً أخلاقية متكاملة، تجعل من التماس الأعذار منهجًا في فهم الإنسان، وبناء المجتمع، وصناعة توازنٍ دقيق بين العدالة والرحمة—وهو التوازن الذي لا تقوم حضارةٌ بدونه.

اعضاء معجبون بهذا

الحجاب… حين يُصبح التمسّك بالعفّة سببًا للحرمان من التعليم
بقلم الكاتب : علي جبار الماجدي
تتداول منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لطالباتٍ شيعيات في أذربيجان، قيل إنهن مُنعن من دخول مدارسهن بسبب تمسّكهن بارتداء الحجاب، في مشهدٍ يفتح بابًا واسعًا للتساؤل عن حرية الإنسان في اختيار ما ينسجم مع قناعاته الدينية، وحقّه الأساسي في تلقّي العلم دون مساومةٍ على هويته. إنّ التعليم حقٌّ إنسانيّ... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 4 ايام
2026/10/14
يعد الحمض النووي للورم الموجود في الدم (Circulating Tumor DNA-ctDNA) من المؤشرات الحيوية التي...
منذ 6 ايام
2026/10/12
التوتر النفسي ليس مجرد شعور بالقلق أو الخوف، بل هو استجابة كيميائية وعصبية...
منذ 6 ايام
2026/10/12
علي حسين عريبي ‏كل دولة تريد أن تكون عظمى في مختلف المجالات عليها أن تدرك أن...