يُعد دماغ الطفل من أكثر أعضاء الجسم حساسية للتغيرات البيئية والسلوكية، إذ يكون في مرحلة نمو وتطور مستمرين. ومن العوامل الحديثة التي أصبحت تؤثر في هذا النمو الاستخدام المتزايد للألعاب الإلكترونية. وعلى الرغم من أن هذه الألعاب تبدو وسيلة ترفيهية في المقام الأول، فإن تأثيرها يمتد إلى العمليات الكيميائية الحيوية التي تحدث داخل الدماغ، حيث تؤثر في إفراز النواقل العصبية والهرمونات المنظمة للسلوك والانتباه والمشاعر.
يعتمد الدماغ في نقل الإشارات العصبية على مواد كيميائية تُعرف بالنواقل العصبية (Neurotransmitters)، ومن أهمها الدوبامين والسيروتونين والنورأدرينالين. عند ممارسة الألعاب الإلكترونية، خاصة الألعاب التي تحتوي على تحديات ومكافآت متكررة، يتم تنشيط ما يُعرف بنظام المكافأة العصبي (Reward System)، وهو مجموعة من الخلايا العصبية التي تفرز مادة الدوبامين.
الدوبامين هو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالمتعة والتحفيز. وعندما يحقق الطفل إنجازًا داخل اللعبة، كالفوز بمستوى جديد أو الحصول على مكافأة رقمية، يرتفع إفراز الدوبامين في مناطق معينة من الدماغ مثل النواة المتكئة (Nucleus Accumbens). يؤدي هذا الارتفاع إلى شعور مؤقت بالسعادة والرضا، مما يدفع الطفل إلى تكرار السلوك للحصول على المزيد من التحفيز الكيميائي.
ومع تكرار التعرض لهذه المحفزات لفترات طويلة، قد يحدث تكيف كيميائي داخل الدماغ، حيث تقل حساسية مستقبلات الدوبامين تدريجيًا. ونتيجة لذلك يحتاج الطفل إلى فترات لعب أطول أو محفزات أقوى للحصول على مستوى المتعة نفسه، وهي آلية تشبه ما يحدث في بعض أنواع الإدمان السلوكي. وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الاهتمام بالأنشطة اليومية الطبيعية التي لا توفر القدر نفسه من التحفيز العصبي.
كما تؤثر الألعاب الإلكترونية في مستويات السيروتونين، وهو ناقل عصبي يساهم في تنظيم المزاج والشعور بالاستقرار النفسي. فالاستخدام المفرط للألعاب قد يسبب اضطرابًا في التوازن الكيميائي للسيروتونين، مما ينعكس على الحالة المزاجية للطفل ويزيد من احتمالية التوتر أو الانفعال عند الابتعاد عن اللعب.
ومن الناحية الكيميائية أيضًا، تؤدي الألعاب التنافسية أو العنيفة إلى تنشيط الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System)، مما يحفز إفراز هرمونات التوتر مثل الأدرينالين والكورتيزول. يعمل الأدرينالين على زيادة معدل ضربات القلب ورفع ضغط الدم وتحفيز الجسم للاستجابة السريعة، بينما يؤدي ارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة إلى التأثير في عمليات التركيز والتعلم والذاكرة.
أما فيما يتعلق بالنوم، فإن الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يؤثر في الغدة الصنوبرية المسؤولة عن إنتاج هرمون الميلاتونين. ويُعد الميلاتونين من الهرمونات الأساسية لتنظيم دورة النوم والاستيقاظ. وعندما ينخفض إفرازه نتيجة التعرض للشاشات في ساعات المساء، تتأخر عملية النوم ويقل معدل الراحة الدماغية الضرورية لنمو الخلايا العصبية وتثبيت المعلومات المكتسبة خلال اليوم.
وفي المقابل، لا تقتصر التأثيرات الكيميائية للألعاب الإلكترونية على الجوانب السلبية فقط، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الألعاب التعليمية والاستراتيجية المعتدلة قد تنشط تكوين روابط عصبية جديدة من خلال تعزيز ظاهرة اللدونة العصبية (Neuroplasticity)، وهي قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه وتكوين اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية استجابةً للتعلم والخبرة.
في الختام، يمكن القول إن تأثير الألعاب الإلكترونية على دماغ الطفل هو تأثير كيميائي حيوي معقد يرتبط بتغير مستويات النواقل العصبية والهرمونات المنظمة للسلوك والانتباه والمزاج. ويعتمد حجم هذا التأثير على مدة الاستخدام ونوعية الألعاب وعمر الطفل. لذلك فإن الاعتدال في اللعب واختيار المحتوى المناسب يساهمان في الاستفادة من الجوانب الإيجابية وتقليل التأثيرات الكيميائية السلبية على الدماغ النامي.







محمد عبد السلام
منذ 1 ساعة
مخاطر سهولة النشر ومجانية التواصل
عاشوراء.. تبديل رايات العزاء وتجديد الولاء
الشيخ المقدسي (رحمه الله)
EN