0

بمختلف الألوان
هذا البلدُ الذي عاشتْ فيه آلافُ الرموزِ الإنسانيةِ والشخصياتِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ، يحملُ ترسانةً من الثقافةِ والفكرِ والتي تُسمّيها الناسُ "حضارةً" فهوَ يملكُ مِن الآثارِ والحجارةِ ما لا تجدهُ في أيِّ مكانٍ آخرَ، المجدُ المتتالي الذي صنعهُ مَن سبقَنا (سومر ، أكد ، آشور)... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الوصيّة الأخيرة

منذ شهرين
في 2026/08/24م
عدد المشاهدات :394

كان البيت في سُرَّ مَن رأى يلفّه ذلك الصمت الذي يسبق الرحيل، صمت ثقيل كأنه غيمة من الحزن تتهيأ للانهمار. الجمعة توشك أن تُسفر عن غدائها، والفجر بعد لم يجفّ نداه على أعتاب الدار، حين أحسّ أبو محمدٍ الحسن بن عليٍ أن الروحَ التي أُودِعت أمانة في جسده منذ ثمان وعشرين سنة قد آن لها أن تعود إلى مستقرِّها الأول.
طوال تلك الليلة، والقلم بين أصابعه لا يهدأ، كانت الرسائل تتدفق من يده كأنها آخر ما يُبقي على الشمس أن تطلع من جديد؛ كتب إلى المدينة، ووصايا إلى الموالين، وأسرار لا يحملها إلا من اؤتُمن عليها. وكأنّ الرجل الذي يودّع الدنيا كان يزرع، في تلك الساعات الأخيرة، بذورا لن تنبت إلا بعد حين.
ثم جاء الصباح، فجاء معه الوجع.
نادى خادمه عقيدا، ذاك الرجل النوبيَّ الذي شهد في هذا البيت أطهر الوصايا وأثقلها، فقال له بصوتٍ أنهكه المرض: "اغلِ لي ماء بمصطكى."
مضى عقيد يُنفّذ الأمر وكأنه يؤدي آخر خدمةٍ يعرف قدرها، وجاءت به صقيلُ الجارية، أمُّ الخَلَف، تحمل القدح بين يدين ترتجفان من هول ما تتوقعه، لا مما تحمله.
مدّ الحسنُ يده نحو القدح، حتى صكّ القدحُ ثناياه. فتركه من يده، ونظر إلى عقيدٍ بعينين فيهما من النور ما لا تحمله عينٌ تُحتضَر، وقال:
"ادخل البيت، فإنك ترى صبيا ساجدا، فأْتِني به."
كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت أشبه بمفتاحٍ يُدار في قفلِ ، سرٍّ طواه أهل البيت عن الدنيا سنين طويلة.
دخل عقيد، والدهشة تسبق خطاه. وهناك، في عمق الغرفة التي لم تكن يوما فارغة كما تبدو، وجد صبيا ساجدا، رافعا سبّابته نحو السماء، كأنما يخاطب بها ربَّه في همسٍ لا يسمعه إلا مَن منحه الله أذنَ القلب. سلّم عليه عقيد، فأوجز الصبيُّ في صلاته - إيجاز من يعلم أن الدنيا تنتظره، لا إيجاز من استخفّ بمناجاة ربه.
"إن سيدي يأمرك بالخروج إليه."
عند ذلك أقبلت أمّه صقيل، فأخذت بيد ابنها الصغير، وخرجت به نحو أبيه.
حين مثل الصبيُّ بين يدي أبيه، ورآه أبو محمدٍ، لم يملك عبرته. كان دَرِيَّ اللون، في شعر رأسه قططٌ لطيف، مفلّج الأسنان، كأنّ نور النبوة يتراءى من مُحيّاه الصغير قبل أن ينطق بحرف. بكى الحسنُ، ذلك البكاء الذي لا يشبه بكاء الجزع، بل بكاء مَن يرى تمام الأمر يتحقق أمام عينيه، وقال بصوتٍ يتهدّج من الوجع والشوق معًا:
"يا سيد أهل بيته، اسقني الماء، فإني ذاهب إلى ربي."
فتناول الصبيُّ القدحَ بيدٍ لم تكبر بعد على حَمل مقادير الدنيا، وحرّك شفتيه بشيءٍ لم يسمعه أحد غير السماء، ثم سقى أباه.
فلما شرب أبو محمدٍ، قال: "هيّئوني للصلاة."
طُرح منديل في حجر الصبي، فتوضّأ أبوه على يديه، عضوا عضوا، بيد صغيرةٍ تؤدي أعظم خدمةٍ عرفتها الأرض، ومسح على رأسه وقدميه. وحين تمّت الطهارة، نظر الأبُ إلى ابنه نظرة من استودع الأمانة صاحبها، وقال:
"أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي. أنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي، أنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشّر بك رسول الله صلى الله عليه وآله، وسمّاك وكنّاك بذلك، عهدٌ عهده إليّ أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت، ربنا إنه حميد مجيد."
وما إن استقرت الكلمة الأخيرة في الفضاء، حتى فاضت روحُ أبي محمدٍ الحسن بن علي إلى بارئها، فمضى إلى ربّه راضيا مرضيا، وبقي الصبيُّ الصغير واقفا، حاملا على كتفيه الصغيرين ميراث النبوّة كله، ووصيّةَ آبائه الطاهرين، وأملَ أمةٍ بأسرها.
لم تكن تلك اللحظةَ نهاية، بل كانت فجرا يستتر خلف الغيم، ينتظر أوانه ليُشرق على الدنيا من جديد.

اعضاء معجبون بهذا

آخر الرجال المتفائلين
بقلم الكاتب : المهندس زيد شحاثة
أخر الرجال.. المتفائلين من المنطقي إعتبار الحديث عن سياسي أو زعيم عراقي، نوعا من التسويق أو التمجيد الشخصي له وربما لحزبه السياسي، ومع الأخذ بنظر الإعتبار حملة التسقيط الممنهج لكل العملية السياسية، وما رافقها من تخوين وتسقيط كامل لكل الزعماء والساسة، في حملة شاركو بها ضد بعضهم، تحت شعار " كلهم... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 6 ايام
2026/10/06
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وتسعة عشر: السقوط الحر ومقياس التسارع: لماذا...
منذ 6 ايام
2026/10/06
التكييف الجنائي لبيع لحوم الخنازير والحوم الغير قابله للاستهلاك البشري كألحوم...
منذ 6 ايام
2026/10/06
يُعد خزن مياه الأمطار من الأساليب المهمة في استثمار الموارد المائية، لأنه يسمح...