الشرق الأوسط في دوامة الصراع… العالم أكثر أمانًا بزوال إسرائيل
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
11/03/2025
على مدى ما يقارب ثمانية عقود لم يعرف الشرق الأوسط استقرارًا حقيقيًا منذ اللحظة التي أُعلن فيها قيام إسرائيل عام 1948. فقد تحولت المنطقة منذ ذلك التاريخ إلى مسرح دائم للحروب والصراعات والأزمات المتلاحقة، الأمر الذي دفع كثيرًا من الباحثين والمراقبين إلى طرح سؤال جوهري: هل كان إنشاء هذا الكيان بداية مشروع سلام كما قُدِّم للعالم، أم أنه كان الشرارة التي أدخلت الشرق الأوسط في واحدة من أطول دوامات عدم الاستقرار في التاريخ الحديث؟
منذ صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، المعروف بقرار تقسيم فلسطين، دخل الشرق الأوسط مرحلة تاريخية جديدة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والعسكري. فبدلاً من أن يؤدي القرار إلى إنهاء الصراع وفتح صفحة جديدة من الاستقرار، تحولت المنطقة منذ ذلك التاريخ إلى واحدة من أكثر مناطق العالم توتراً واضطراباً. وعلى امتداد ما يقارب ثمانية عقود، ظل الشرق الأوسط يعيش سلسلة متواصلة من الحروب والأزمات والصراعات التي ارتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بقيام دولة إسرائيل وطبيعة الدور الذي لعبته في المنطقة.
صدر قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 بعد تصويت داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة انتهى بموافقة 33 دولة، ومعارضة 13 دولة، وامتناع 10 دول عن التصويت. وقد نص القرار على إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وتقسيم أراضيها إلى ثلاثة كيانات سياسية، الأول دولة عربية على مساحة تقارب 4300 ميل مربع، أي نحو 42.3% من فلسطين، تشمل الجليل الغربي ومدينة عكا والضفة الغربية والساحل الجنوبي الممتد من شمال أسدود حتى رفح إضافة إلى جزء من الصحراء المتاخمة للحدود المصرية، والكيان الثاني دولة يهودية على مساحة تقارب 5700 ميل مربع أي نحو 57.7% من فلسطين، تشمل السهل الساحلي من حيفا حتى جنوب تل أبيب والجليل الشرقي بما فيه بحيرة طبريا ومنطقة إصبع الجليل إضافة إلى صحراء النقب بما فيها أم الرشراش التي تعرف اليوم بمدينة إيلات، أما القدس وبيت لحم فقد نص القرار على وضعها تحت وصاية دولية خاصة نظراً لأهميتها الدينية والتاريخية.
غير أن التطورات التي تلت صدور القرار لم تسر وفق التصور الذي حاول المجتمع الدولي رسمه آنذاك. فقد أُعلن قيام دولة إسرائيل في 14 أيار/مايو 1948 في تل أبيب، عندما أعلن رئيس الوزراء الأول لإسرائيل ديفيد بن غوريون تأسيس الدولة. ومنذ تلك اللحظة بدأت مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي الذي سرعان ما تجاوز حدود فلسطين ليصبح أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية المعاصرة.
فبدلاً من أن يقود إنشاء هذا الكيان إلى تحقيق الاستقرار، تحولت إسرائيل إلى محور دائم للصراع الإقليمي، ودخل الشرق الأوسط في سلسلة طويلة من الحروب العسكرية والصدامات السياسية التي أعادت تشكيل جغرافية المنطقة مرات عديدة، بدءًا من حرب عام 1948، وحرب حزيران 1967 التي احتلت خلالها إسرائيل أراضٍ عربية واسعة، ثم حرب تشرين الأول 1973، واجتياح لبنان عام 1982، وصولًا إلى سلسلة الاعتداءات والعمليات العسكرية المستمرة حتى العقود الأخيرة.
لقد أصبح واضحًا أن السياسات التوسعية لإسرائيل هي السبب الرئيسي لكل أزمات المنطقة منذ نشأتها. فالتوسع الاستيطاني واحتلال الأراضي العربية وفرض وقائع سياسية جديدة بالقوة العسكرية لم يقتصر أثرها على فلسطين وحدها، بل امتد تأثيرها إلى الدول المجاورة وخلق دورة مستمرة من الصراع الإقليمي. هذه السياسات، المدعومة بشكل شبه كامل من الولايات المتحدة، جعلت إسرائيل المحرك الأول لمعظم الحروب والأزمات في الشرق الأوسط، إذ لم يعد من الممكن النظر إليها كطرف محايد، بل كجهة مهيمنة سعت دائمًا لتوسيع نفوذها على حساب جيرانها، مما أفرز دورة مستمرة من العنف والردود العسكرية المتلاحقة، وأسهم مباشرة في إضعاف جهود المجتمع الدولي لإرساء السلام.
كما ارتبطت السياسات التوسعية الإسرائيلية بأعمال وحشية وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، أبرزها الجرائم المستمرة في قطاع غزة، حيث أدت الحروب المتكررة على القطاع إلى سقوط عشرات آلاف الضحايا من المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وتدمير واسع للبنية التحتية والمنازل والمدارس والمستشفيات. هذه الأعمال لم تؤدِ فقط إلى معاناة إنسانية هائلة، بل أسهمت أيضًا في تأجيج الكراهية ودوامة العنف في المنطقة، مما جعل غزة رمزًا لمعاناة الفلسطينيين ومثالاً حيًا على النتائج المأساوية للسياسات التوسعية الإسرائيلية، مؤكدة أن هذا الكيان يستمر في ممارسة العنف ضد المدنيين لتحقيق أطماعه التوسعية.
ويظهر هذا التوتر الآن بأشد صوره من خلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، حيث أدت السياسات التوسعية لإسرائيل إلى تصعيد إقليمي عالمي أثر مباشرة على أسواق الطاقة ورفع أسعار النفط والغاز، مما زاد من أعباء المواطن الأمريكي والأوروبي، في حين تُنفق الولايات المتحدة مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب على حروب لا تخدم أمنها القومي بقدر ما تخدم الأطماع التوسعية لإسرائيل. كما أسفر هذا التصعيد عن سقوط مئات الضحايا المدنيين، بينهم أطفال، وأثار موجة استنكار عالمي، مؤكداً أن استمرار هذا النمط من الحروب لن يؤدي إلا إلى تعميق الفوضى في الشرق الأوسط وتهديد الاستقرار العالمي، ويطرح تساؤلات جدية حول جدوى التضحية بأرواح الجنود والدعم المالي في صراعات لا تخدم سوى أهداف إسرائيل التوسعية.
لقد أظهرت التجربة الممتدة منذ عام 1947 أن وجود إسرائيل لم يؤد إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة كما كان يُفترض نظرياً، بل ارتبطت معظم الأزمات الكبرى في الشرق الأوسط بهذا الكيان وبالسياسات التي رافقته، الأمر الذي دفع كثيراً من الباحثين وصنّاع القرار إلى قناعة متزايدة بأن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا من خلال معالجة جذور الأزمة التي بدأت مع قيام هذا الكيان وسياساته التوسعية.
وبعد ثمانية عقود من الصراع والحروب والاستنزاف الاقتصادي والعسكري، أصبح واضحًا أن العالم لن يقترب من الاستقرار الحقيقي ما لم تُعالج الأسباب البنيوية للتوتر، وأن إزالة إسرائيل أو الحد من سياساتها التوسعية سيكون خطوة أساسية نحو شرق أوسط أقل توتراً، اقتصاد عالمي أكثر استقرارًا، ونظام دولي أقل انخراطًا في صراعات استنزفت البشرية لعقود طويلة. لقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن السلام لا يمكن أن يولد من قلب مشروع قائم على الصراع، وأن استمرار إسرائيل في موقعها الحالي يعني استمرار دورة العنف وعدم الاستقرار، بينما معالجة جذور الأزمة أو إنهاء هذا الكيان سيجعل العالم أكثر أمانًا وعدلاً واستقرارًا.







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
واقع وحقيقة وليس خيال
أكثر من حجة في ذي الحجة
عاشوراء البعثة النبوية
EN