جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: عن انتخاب دعم الغرباء قال الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)" (المائدة 51-52) والمذهب الآخر يرى أنّ كل انسان أو شعب في هذه الدنيا المليئة بالمشاكل والأهوال يحتاج إِلى من يتكيء ويعتمد عليه، وأن الحاجة تدعو أحياناً إِلى انتخاب الدّعم والسند من بين الغرباء بحجة أن الصداقة معهم لا تخلو من قيمة وفائدة، ولابدّ أن تظهر ثمارها في يوم من الأيّام. وقد دحض القرآن الكريم رأي المذهب الثّاني بشدّة، وحذر المسلمين بصراحة من مغبة الوقوع والتورط في نتائج مثل هذا النوع من التفكير، لكن البعض من المسلمين ـ ومع الأسف ـ قد نسوا وتجاهلوا هذا الأمر القرآني العظيم، فانتخبوا من بين الغرباء والأجانب من يعتمدون عليهم، وقد أثبت التّأريخ أن كثيراً من النكبات التي أصابت المسلمين تنبع من هذا الإِتجاه الخاطىء.
يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي عن انتخاب أصلح الناس: ثمّ يضيف القرآن مخاطباً نوحاً أنّه ستعقب الأُمم التي معك أُمم من نسلها، ولكن هذه الأُمم ستغتر وتغفل عن نعم الله فتنال جزاءها من الله "وأُمم سنمتعهم ثمّ يمسّهم منّا عذاب أليم" (هود 48). فعلى هذا ليس انتخاب الأصلح من الناس أو إصلاح الناس عن طريق الطوفان هو آخر الإنتخاب وآخر الإصلاح، بل ستبلغ مرحلة جديدة من بني آدم أيضاً يصلون بها الذروة من الرُشد والتكامل، ولكن الناس قد يسيئون الإستفادة من حرية الإرادة ويستخدمونها في طريق الشرّ والفساد، فينالون جزاءهم في هذه الدنيا كما ينالون العذاب في الأُخرى. الطريف في الآية أنّها تقول (سنمتعهم) ثمّ تتحدث عن العذاب مباشرة. وفي ذلك إِشارة إِلى أن الإِستمتاع ينبغي أن يكون مدعاة للشكر والثناء على نعم الله وطاعته، ولكن غالباً ما يزيد المتنعمين طغياناً وكفراً ويقطعون العلاقة بينهم وبين الله.
وعن انتخاب أحسن الكيفيات في قصة نوح عليه السلام يقول الشيخ الشيرازي في تفسيره الأمثل: وجاء الأمر لنوح أن "اصنع الفلك بأعيننا ووحينا" (هود 37). إِنّ المقصود من كلمة (أعيننا) إِشارة إِلى أن جميع ما كنت تعمله وتسعى بجد من أجله في هذا المجال هو في مرآى ومسمع منّا، فواصل عملك مطمئن البال. وطبيعي أنّ هذا الإِحساس بأنّ الله حاضر وناظر ومراقب ومحافظ يعطي الإِنسان قوة وطاقة، كما أنّه يحسّ بتحمل المسؤولية أكثر. كما يستفاد من كلمة (وحينا) أيضاً أن صنع السفينة كان بتعليم الله، وينبغي أن يكون كذلك، لأنّ نوحاً عليه السلام لم يكن بذاته ليعرف مدى الطوفان الذي سيحدث في المستقبل ليصنع السفينة بما يتناسب معه، وإِنّما هو وحي الله الذي يعينه في انتخاب أحسن الكيفيات. وفي نهاية الآية ينذر الله نوحاً أن لا يشفع في قومه الظالمين، لأنّهم محكوم عليهم بالعذاب وإِن الغرق قد كتب عليهم حتماً "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" (هود 37). هذه الجملة تبين بوضوح أنّ الشفاعة لا تتيسر لكل شخص، بل للشفاعة شروطها، فإِذا لم تتوفر في أحد الاشخاص فلا يحق للنّبي أن يشفع له ويطلب من الله العفو لأجله (راجع المجلد الأوّل من هذا التّفسير ذيل الآية 48 من سورة البقرة) "وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ" (البقرة 48).
وعن انتخاب الرجال الى النجاشي يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: وبعد التشاور استقر رأيهم على انتخاب رجلين من رجال قريش النشيطين، وإِرسالهما إِلى النجاشي حتى يبيّنوا للنجاشي الأخطار التي تنجم عن وجود المسلمين هناك كي يطرد هؤلاء من هذه الأرض المطمئنة. فأرسلوا (عمرو بن العاص) و (عبد الله بن أبي ربيعة) مع هدايا كثيرة إِلى النجاشي وقواد جيشه. تقول (أم سلمة) زوجة النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: لما دخلنا أرض الحبشة رأينا حسن استقبال ومعاملة النجاشي، فلم نُمنع من شعائر ديننا، ولم يكن يؤذينا أحد، إِلاّ أنّ قريش بعد علمها بهذه المسألة، وإرسالها الرجلين مع الهدايا الكثيرة، كانت قد أمرت هؤلاء أن يلتقوا بقادة الحبشة قبل لقائه، وأن يسلموهم هداياهم، ثمّ يقدمون هدايا النجاشي إِليه، ويطلبون منه أن يسلم المسلمين إِليهم قبل أن ينبسوا ببنت شفة.
وعن حرية انتخاب الأعمال يقول الله جلت قدرته "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَة مِّنْ ءَايَـتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (46) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضَلَـل مُّبِين (47)" (يس 45-47) فنظام التكوين ـ بإراة الله ـ أوجب أن تكون الأرض بجميع مواهبها وعطاياها مسخّرة للبشر، وأن يعطى البشر حريّة إنتخاب الأعمال لطي طريق تكاملهم، وفي نفس الوقت خلق الغرائز التي تتنازع الإنسان من كلّ جانب. ونظام التشريع أوجب قوانين خاصّة للسيطرة على الغرائز وتهذيب النفوس، وتربية الإنسان عن طريق الإيثار والتضحية والتسامح والإنفاق، وذلك الإنسان الذي لديه الأهلية والإستعداد لأن يكون خليفة الله في الأرض، إنّما يبلغ ذلك المقام الرفيع من هذا الطريق، فبالزكاة تطهر النفوس، وبالإنفاق ينتزع البخل من القلوب، ويتحقّق التكافؤ، وتقلّ الفواصل الطبقية التي تفرز آلاف العلل والمفاسد في المجتمعات.







وائل الوائلي
منذ 23 ساعة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN